كيف تؤثر اللغة في التفكير؟

سؤالٌ شغل – وما زال يشغل – اللغويين وعلماء النفس والفلاسفة، لعقودٍ طويلة، تعرفنا خلالها كيف تؤثر اللغة في الذاكرة والإدراك وترابط الأفكار، بل في كيفية تحديد الاتجاهات. ولكن هل يمكن أن تؤثر اللغة التي نتكلمها في قراراتنا الاقتصادية؟ هل ستختلف حجم المدخرات التي يوفرها الأمريكي مقارنةً بمدخرات الصيني؛ لأن الأول يتحدث «الإنجليزية»، والثاني يتحدث بلغة «الماندرين»؟

 

في عام 2013 نشر البروفيسور ـ بجامعة ييل ـ «كيث تشين»، ورقةً بحثية في مجلة «أمريكان إيكونوميك ريفيو» بعنوان «تأثير اللغة على السلوك الاقتصادي: أدلة من معدلات الادخار، السلوكيات الصحية، والأصول عند التقاعد» ، البروفيسور كيث أمريكي من أصل صيني، يحكي في خطابٍ له ألقاه في TED أنه لاحظ تأثير لغته الصينية عليه منذ صغره، فمثلًا عند رغبته في تعريف أحد أقاربه باللغة الإنجليزية ليس مضطرًا لأن يفصح عن أيّ شيء، غير قوله «هذا قريبي»، ولكنه إن استخدم اللغة الصينية في تعريف قريبه هذا، فهو مضطرٌ لأن يفصح عن كمٍّ هائلٍ من المعلومات، مثل: جهة القرابة، سواء من جهة الأب أو الأم، وهل هذه القرابة نتيجة لولادة أم زواج، ولو كان قريبه هذا عمّه مثلًا؛ فهل هو أكبر من والده أم لا!

عَمِل كيث تشين على تقسيم اللغات إلى قسمين؛ بناءً على تعامل اللغة مع مفهوم الزمن: فهنالك لغات تفرق بين الحاضر والمستقبل بصورة جليّة قويّة، وهي ما أسماها «اللغات المستقبلية». وقسم آخر من اللغات يتعامل مع الحاضر والمستقبل – تقريبًا- وكأنهم شيء واحد! ففي اللغة الصينية مثلًا، والتي تعتبر حسب تقسيم تشين من «اللغات غير المستقبلية»، سنجد تعبيرات غير مألوفة لنا نحن المتحدثين بالعربية، سنجد عبارات، مثل «إنها تمطر غدًا»، أو «تمطر بالأمس»!

فاللغات غير المستقبلية تعبر عن أغراضها دائمًا في الحاضر وتعامله كالمستقبل، أو تعامل المستقبل وكأنه الحاضر. وهناك لغات كثيرة هكذا، مثل: الألمانية والفنلندية وغيرها، فهي بعكس اللغات المستقبلية، كالعربية والإنجليزية والفرنسية…إلخ؛ والتي تفرق بوضوحٍ بين الحاضر والمستقبل وتمتلك تعبيرات قويّة وأزمنة مختلفة لذلك الغرض.

ولكن كيف يمكن لمتحدثي اللغات غير المستقبلية أن تكون مدخراتهم أكبر من هؤلاء الذين يتحدثون لغاتٍ مستقبلية، كيف يمكن لهذا الاختلاف النحوي أن يؤثر على مدخراتنا؟

 

يقول البروفيسور تشين «إن عملية الادخار تعتمد في الأساس على مدى استيعاب الفرد وتفهمه لأهمية مستقبله، باعتباره مساوٍ بشكلٍ ما لحاضره»، فإذا كانت بنية لغتك النحوية تفرق بين الحاضر والمستقبل بشكلٍ جليّ؛ فسيقودك هذا إلى فصل المستقبل عن حاضرك، شيئًا فشيئًا، ستنظر له في كلّ مرة تتحدث فيها وكأنه بعيد المنال؛ مما سيصعب عملية الادخار!

كخبير اقتصادي قام تشين بوضع فرضيته في الاختبار، وباستخدام قواعد البيانات المتاحة قام بجمع أحجام الادخار في المجتمعات المختلفة، وحاول أن يُنحي تأثير كلّ المتغيرات المختلفة مثل (السن – الجنس – الصحة – الدخل – التعليم…إلخ)، ويصنف العائلات المتشابهة، والتي تكاد تكون متماثلة في مجموعات مقابلة لبعضها البعض، بحيث يكون الاختلاف الوحيد عند المقارنة؛ في نوع اللغة المستخدمة، لغة مستقبلية كانت أم غير مستقبلية.

وكانت النتيجة حسب ورقته البحثية؛ أن أصحاب اللغات غير المستقبلية، مثل متكلمي الصينية، وشعوب شمال أوروبا، كانت مدخراتهم عند تقاعدهم أعلى تقريبًا بنسبة 39% من متكلمي اللغات المستقبلية، وكذلك فإن مدخاراتهم السنوية أكبر بنسبة 30% تقريبًا.

استطاعت فرضية تشين أن تتنبأ بمعدلات التدخين في تلك المجتمعات؛ فالتدخين ادخار سلبي؛ تحصل على متعة في الوقت الحاضر مقابل ألم مستقبلي، فبين العائلات المتشابهة في الظروف، المختلفة في اللغة، كانت معدلات التدخين بين أهل اللغات غير المستقبلية أقل بنسبة 24% من نظيرتها بين أصحاب اللغات المستقبلية، كما كانت معدلات السمنة أقل بنسبة 13%، كذلك ازدادت معدلات النشاط البدني بنسبة 29% بين أولئك المتحدثين بلغات غير مستقبلية!

تعرضت النتائج التي توصل لها البروفيسور تشين لكثير من الانتقادات من اللغويين والاقتصاديين على حد سواء، فهنالك عوامل عديدة – اجتماعية وثقافية واقتصادية – تؤثر في سلوك المتكلمين بلغات مختلفة، وتجعل سلوكهم متميزًا غير خاضع لعامل واحد بعينه. ويتفق البروفيسور تشين مع هذه الحجة، ولكنه يقول: إن دراسته حاولت السيطرة على تلك المتغيرات المختلفة من خلال التركيز على تسع دول متعددة اللغات، وهي: بلجيكا، بوركينا فاسو، إثيوبيا، استونيا، جمهورية الكونغو الديمقراطية، نيجيريا، ماليزيا، سنغافورة، وسويسرا.

وإنه ليمكنك أن تجد بعض العائلات تقيم في منازل مجاورة لبعضها البعض، ويتمتعون بنفس مستويات التعليم، ودخلهم واحد، ويعتنقون نفس الدين، ولكن الأسر التي تستخدم لغة لا تفرق بين الحاضر والمستقبل تتمتع بحجم ادخار أعلى! ففي نيجيريا، على سبيل المثال، تجد أن لغة الهوسا لديها أزمنة مستقبلية متعددة، في حين إن لغة اليوروبا لا تمتلك هذا، فتجد النيجيريين المتحدثين بالهوسا واليوروبا، والذين يعيشون جنبًا إلى جنب لديهم سلوك ادخاري مختلف تمامًا!

بالرغم من الانتقادات العديدة الموجهة لنتائج دراسة البروفيسور تشين، لكنه يؤكد على  قوّة ما توصل له من نتائج، وأن تلك الارتباطات التي نجدها بين اللغة والسلوك الاقتصادي؛ تقاوم وتتخطى مجموعة عديدة من الضوابط الصارمة، بحيث تصعب أية محاولة لاختلاق قصة أخرى لتفسيرها.

ولذا ينصح تشين أولئك المتحدثين بالإنجليزية واللغات المستقبلية أن يقوموا بالحديث في الحاضر، بصيغة المضارع، فقد يفيدهم هذا قليلًا، إذا ما أرادوا أن يزيدوا من مدخراتهم التي سيوفرونها عند تقاعدههم!

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

اللغة

المصادر

- " The Effect of Language on Economic Behavior: Evidence from Savings Rates, Health Behaviors, and Retirement Assets" By M. Keith Chen, Yale University, School of Management and Cowles Foundation.
- "Why speaking English can make you poor when you retire" By Tim Bowler
- Spending Behavior Influenced By Language - youtube video
- Keith Chen - Could your language affect your ability to save money? - TED Talks
عرض التعليقات
تحميل المزيد