بول كروغمان، ميلتون فريدمان، آلان غرينسبان، كريستين لاغارد، وقبلهم فوكوياما، هنغتنغتون، فريديريك فون هايك… وآخرون. هؤلاء هم أساطين الليبرالية الجديدة وكهانها المقدسون، ومنظرو الافتراس الرأسمالي الجديد. هم الذين تعقد لهم الندوات والمقابلات التلفزيونية، وتشرع لهم الأبواب الإعلامية. هم الذين يستشارون في كبرى الدوائر المالية والسياسية العالمية، وهم الذين تطبق تعاليمهم الاقتصادية في الهيئات الأممية وغير الأممية. هم الذين تُدرَّس نظرياتهم العلمية في الأكاديميات والجامعات المرموقة، و تُحفَّظ آراؤهم وتوجهاتهم الوحشية لطلبة الاقتصاد في كليات ومدارس العالم الأول والنامي.

وكثيرًا ما ينبهر أساتذتنا ودكاترتنا وصناع القرار عندنا، سواء بقصد أو دون قصد، وسواء كان هؤلاء خريجي جامعات غربية أو عربية أو وطنية، بالأفكار والنظريات الليبرالية الجديدة التي انتشرت انتشار النار في الهشيم. خاصةً بعد سقوط آخر قلاع الفكر الاشتراكي والماركسي في نهاية ثمانينات القرن الماضي. فتجد الأستاذ يتشدق ويفتخر بأنه من تلاميذ مدرسة شيكاغو، أو من معجبي معهد لندن للاقتصاد، أو من متابعي زمرة الليبراليين في معهد ماساشوستس للتكنولوجيا، وغيرهم.

فالكل يعلم أن النيولبرالية ليست رسالةً ربانيةً ولا وحيًا إلهيًّا، ومنظروها ليسوا أنصاف آلهة وليسوا أنبياء. هم في أحسن الأحوال بشر معرضون للسهو والخطأ والعيب، ومنتقدوها ليسوا إرهابيين ولا رجعيين وليسوا شيوعيين كلهم. وهي عند الكثيرين نظرية اقتصادية قاصرة عن توفير رؤية واضحة لمصير ومستقبل البشرية الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، كما أنها عجزت عن تعريف وتحديد معنى وحدود الفقر والغنى والمساواة في الدخول، وتقسيم الثروة.

المدرسة الليبرالية الجديدة، ارتكزت في الماضي كما الحاضر على فرضيات وشروط وأسس تعطي أفضلية للغني على الفقير، وللقطاع الخاص على القطاع العام، وتؤسس لفكرة الافتراس الطبيعي، وأن البقاء للأثرى. فميلتون فريدمان مثلًا طرح في كتابه «الرأسمالية والحرية» شروطًا محددة لتحقيق أركان المدرسة: السوق الحر، الحرية، إزالة جميع الضوابط الاقتصادية أمام رأس المال، الخصخصة أو بيع ممتلكات الدولة التي لا تدر أرباحًا، وأن تحدّ الدولة من نفقاتها العامة، بتقليص دورها في توفير خدمات الضمان الاجتماعي[1] والرفاه الإنساني والصحة العامة والتعليم المجاني. وذلك ما تم تطبيقه بشكل وحشي في الشيلي بتخطيط واستشراف من الدوائر الأمنية والإستراتيجية الأمريكية، وبتنفيذ محكم من طرف طلبة فريدمان السابقين ومريديه[2].

ورغم الزخم الإعلامي والأكاديمي، والتغطية السياسية الذي تسوّق بشكل مكثف للمبادئ النيولبرالية. برزت من رحم الرأسمالية في العقدين الأخيرين، محاولات جادة وهادفة ومعارضة للتوجهات الليبرالية الجديدة، كما شنت هجمات مضادة من أكاديميين ورجال فكر وسياسيين وأحزاب وجمعيات ومنظمات غير حكومية، كلها تجتهد من أجل كشف زيف وطغيان الرأس مال العالمي بغطاء فكري- فلسفي وتنظيري ليبرالي جديد.

فقد قدّم البروفسور جوزيف ستيغليتز، الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد، والنائب السابق لمدير البنك العالمي، نقدًا لاذعًا لأنصار النظرية النيوليبرالية، ودعاة العولمة الأخيرة في كتبه التي كانت ثرية ومتنوعة حول هذا الموضوع، منها: كتاب «خيبات العولمة» (2002)، و«العولمة والساخطون عليها» (2002)، و«عندما تفقد الرأسمالية صوابها» (2003)، و«تجارة عادلة للجميع» (2005) اشترك في كتابته مع أندرو شارلتون، و«كيف نجعل العولمة فعالة» (2006)، و«السقوط الحر: أمريكا والأسواق الحرة وغرق الاقتصاد العالمي» (2010). كما ألف ستيغليتز «انتصار الجشع» (2011)، و«ثمن اللامساواة» (2012)[3].

وكشف من خلال كتاباته أن الرأسمالية رغم أنها كانت في أوج عطائها في منتصف القرن العشرين، إلا أن شوارع العالم الرأسمالي كانت وما زالت تعج بالمظاهرات الاحتجاجية التي ينفذها عمال المصانع[4]، ورواد جمعيات حماية البيئة والأقليات، وحماة الطبيعة والحيوان وغيرهم. كما أن الفجوة بين الأغنياء والفقراء في اتساع مضطرد، وتمركز الثروة في يد الأقلية الغنية، أقصى الأكثرية الفقيرة من الحصول على حصة بسيطة من كعكة النمو الاقتصادي العالمي. لذلك فقد أطلق ستيغليتز وصف «اقتصاد الواحد في المائة» على النظام الاقتصادي الأمريكي، لأن 1% من الشعب الأمريكي يملكون ثلث الثروة الوطنية.

كما شملت أعمال المفكر والناقد والاقتصادي الكندي ميشال شوسودوفسكي، وكان لكتابه «عولمة الفقر» مساهمة في نقد أفكار النيوليبراليين، الذين كان لهم الأثر الكبير في إقناع وترسيخ فكرة الإبادة الاقتصادية[5] التي تتعرض لها اقتصاديات العالم النامي، جراء التجارب والبرامج الاقتصادية المدمرة التي تشرف عليها هيئات العولمة الثلاث، بمباركة من القوى الكبرى، والشركات المتعددة الجنسيات. كما يشرف البروفيسور شوسودوفسكي على إدارة ورئاسة مركز الأبحاث حول العولمة بكندا، عبر الموقع الإلكتروني المشهور www.mondialisation.ca ، الذي يصدر بثماني لغات، يكتب فيه خيرة من المشاهير الأكاديميين العالميين، الناشطين ضد العولمة الاقتصادية المتوحشة، وما تسببه من مآسي للبشرية.

سوزان جورج الاقتصادية والناشطة المناهضة للعولمة الفرنكو أمريكية، هي بدورها كان لها إسهامات واضحة في هذا المجال، فانتماؤها ومساهمتها في تأسيس منظمة أتاك فرنسا، أكبر جمعية دولية لمناهضة العولمة، وتأليفها لعدة مؤلفات ومقالات مثل كتاب «تقرير لوجانو مؤامرة الغرب الكبرى»، وكتاب «أنا والعولمة: عالم بديل ممكن»، كلها كان لها أثر في بلورة أفكارها حول نقد العولمة الاقتصادية المتوحشة، ومن يقف وراءها من الأكاديميين والمفكرين النيوليبراليين، وكذا مطالبتها كبقية زملائها بضرورة إيجاد بديل يحفظ ويرسي العدالة والمساواة الاقتصادية بين أمم وشعوب المعمورة.

كما أن أعمال الفيلسوف الأمريكي نعوم تشومسكي في نقد الرأسمالية والليبرالية الجديدة لا تخفى على أي أحد، فكتبه ومؤلفاته التي قدمها بالعشرات في هذا الموضوع تغني كل باحث عن الحقيقة. منها مثلا كتبه: «الربح مقدم على الشعب» و«الليبرالية الجديدة والنظام العولمي» و«إهدار الحقيقة.. إساءة التعليم والإعلام وأوهام الليبرالية والسوق الحرة»، وغيرها من الكتب والمؤلفات التي تبين زيف الأفكار النيولبرالية، ووحشية مطبقيها على البشر والبيئة ومستقبل التنمية الاقتصادية العالمية.

من كل ما سبق قوله، نقول إن الرأسمالية أضحت في الوقت الحالي وكأنها كائن برأسين، أو على أقل تقدير بوجهين. وجه قبيح وكريه أثبتت الوقائع الماضية والحاضرة أنه لا يصلح لقيادة القاطرة الاقتصادية العالمية مطلقًا، بل هو موجود لخدمة طغمة قليلة من أرباب المال والأعمال ومرابي وول ستريت وغيرهم. ووجه ما زال لم يكشف عن نفسه بشكل كلي، ويريد أن يكون البديل للوجه الكريه السابق. فهل ستصلح الأفكار النيوليبرالية نفسها؟ وهل ستنفعها مساحيق التجميل لتبدو مقبولة المنظر؟ وهل ستدمر الأزمات وخيبة أمل الشعوب الحية، مستقبلها الفكري والتطبيقي؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد