من فرط اشتياقي للطفل الذي كنته، في سذاجة أحلامه وشساعة تفاؤله، قررت أن أخصص بضع لحظات لأعود إلى تساؤلات قد تكون في ظاهرها طفولية، ولكنها تحمل عدم قدرة صادقة على فهم منطق موضوعها، والأمر هنا لا يُعاب، طفولية السؤال بحث بريء عن جواب، فأول مواهب علماء العالم مثلًا، طفولية الفكر التي وحدها منتجة الأسئلة الحقيقية التي توصل إلى معرفة أكثر يقينية. وأول تساؤلاتي الطفولية: لماذا تقترض الدول العربية من صناديق نقد دولية؟

ولأن طفولية الطبع تصطدم بقساوة الواقع فتسقط أمام صرامته، فالجواب سيكون بشكل أنضج. ما الذي يدفعنا ونحن أمة تعتبر الدين مكروهًا أن نرتمي في مشانق المديونية حتى باتت اليوم إرادتنا السياسية في يد أربابها؟ وللوضوح فقط، ومع الاحترام للإحساس العربي الذي لا زال يغزو قلبي رغم جفاف أمله من أي مستقبل مشترك للعرب، فبعض المواضيع لا يمكننا أن نحاول فيها الحديث عن واقع عربي واحد. وخصوصًا المواضيع الاقتصادية، فهي تبقى أحد منابع الاختلاف الأساسية. ولكنها تظل كذلك أكبر فرص التكامل الضائع بيننا. فنحن أمة جزء منها يتصدر قوائم المديونية العالمية، وجزء آخر رزقه رب العالمين من الإمكانات ما يجعله في غنى عن ذلك، ومع أن حق الاقتراض من القريب واجب، فقروضنا الأساسية مصادرها غير عربية طبعًا.

لماذا لم تقبل البلدان العربية التي تمتلك فائضًا في ميزانياتها السنوية على إنشاء صندوق قرض عربيًّا يعيد السيادة للعرب على قرارهم السياسي، أو على الأقل شراء مديونية الشعوب العربية التي لا يمكنها حسابيًّا أن تمحو مديونيتها، ولو من منطلق إنقاذها من إثم الربى الذي ربما يكون تخلفنا إحدى عقوباته الإلهية لنا في الحياة. أو حتى بمنطق أن تذهب الأرباح إلى المنطقة العربية نفسها علها تسهم في تنمية أي مكان. سؤال صادق أعجز عن الجواب عنه دون أن أشعر بعمق الغباء في محاولتي فهم منطق العقول التي تصوغ هذا الواقع العربي، غبائي الشخصي طبعًا الموازي لاستحضار حسن النية في سعي كل مسؤول سياسي لخدمة المصلحة العامة.

ماذا يريد البنك الدولي منا بالضبط؟ السؤال هذا يمكن أن تطرحه على أنفسها كل بلدان العالم الفقيرة طبعًا؟ ماذا يجعل صناديق بعينها مصدر تمويلنا؟ لماذا تلتجئ حكوماتنا لتمويل برامجها العمومية من قروض؟ أمن الطبيعي أن يعيش فقير على الديون مدى حياته؟ لماذا لا يرفض الدائنون التعامل معنا وهم مدركون أن شكل اقتصاداتنا الفقيرة لا يسمح بتسديد كل المبالغ الخيالية التي تراكمت علينا؟ الجواب بسيط وهو مكون من شقين: الأول أن القروض هذه بالأساس في أغلبها غير عينية؛ بل في شكل خدمات ومعاملات تجارية مع جهات بعينها، وفي شكل صفقات تجارية سلعها قد تكون غير أساسية لمجتمعاتنا، وعلى رأسها الأسلحة طبعًا، وبالتالي فهي ضمان لتفوق اقتصادي تجاري حقيقي للدول الدائنة؛ بل إن دولًا فقيرة تدفع الكثير من الأموال لمجرد الحصول على وعود القروض في إطار ما يعرف بصناديق الائتمان. والشق الثاني متعلق بالإرادة السياسية، فمن الوجوه الجديدة للسياسة الاستعمارية اليوم، التحكم في مديونية الغير، وهو ما يهب المقرضين سلطة التدخل في برامج إعادة الهيكلة التي تمس الخدمات العمومية، والسياسات المالية، وسعر العملات، وقوانين الاستثمار، وطبيعة الاقتصاد، وهي بذلك تفرغ السلطة السياسية من قيمتها التنفيذية تقريبًا.

لعلنا ندرك جميعًا أن حكم العالم الحقيقي هو بيد سلطة المال، وأن كل الصراعات البشرية نفعية تختفي وراءها مصالح وغنائم اقتصادية تتجاوز حتى الاعتبارات الإنسانية للأسف. ومع ذلك نستمر في خطأ التناغم مع الإمبريالية الاقتصادية حتى صرنا رهائن عند البنك الدولي وأمثاله من محتجزي مستقبل الشعوب الفقيرة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد