نفس السّياسَات الاقتصادية تجتاحُ مُعظم المِنطقة العَربية مُنذ أن أُخمِدَت صحوة الرّبيع العربي وتمّ تأجيل أحلام التّغيير الدّيمقراطي لأجلٍ غير مُسمّى. فيكفي التّمعُّن في طيّات التّطوّرات الإقتصادية التي نعيشها لندرك بيسرٍ أنّ العقل المُخطّط وكأنّه نفسُه، وأنّ الإرادة الحقيقيّة التي تخفيها وعودٌ غير واقعيّة بتنمية مقابِل الصّبر هي جعل الصّراع من أجل لقمة العيشِ حرب الشعوب الأولى، التي ترمي بمطلب الإصلاح السّياسي في خانة التّرف. ثلاث خطوات لا غير تورث أجيال المستقبل للأسف فاتورة قاسية تعمّق اليأس الذي بات يملأ قلوب الشباب في غد أفضل:

أولا، رفع الدّعم عن المواد الأساسية دُون بديل يرحم الطّبقة الفقيرة من غلاء المعيشة. فتحت شعارات من قبيل استفادة الميسورين من الدعم بدلًا عن المحتاجين، بادرت حكومات كثيرة لرفع الدعم عن السّلع الأساسية دون إجراءات بديلة حقيقية تجعل على الأقل وصوله للمعوزين ممكنا، وعوّضَتهُ أكرَمُها بقرارات آنيّة مؤقّتة تُؤجّل تذمّر بعض الفئات المتضررة لا غير. جميل أن تحاول الدول تقليص مصاريفها العمومية، لكنها وقبل أن تمدّ يدها لأرزاق غالبية الفقراء، مطالبة بتَجفيفِ مَنابع الرّيع الكثيرة التي تغزو اقتصاداتها قبل كلّ شيء، ثمّ صياغة إصلاح ضريبيِّ كفيلٍ باستعادة ما تراه استفادة غير مستحقّة للميسورين، بالقطع ستغنيها مداخيله عن المساس بأرزاق الغلابة، لاسيما في غياب تام لبرامج دعم مباشر كما هو الحال في تجارب دول كثيرة. وإن كنّا موقنين بأن أغنياء العرب قد تجاوزوا مستوى التّأثّر من ارتفاع الأسعار، فهذا الإجراء يحمل عقابًا للطبقة المتوسّطة بالخصوص، ويرمي بجزء منها في مستنقع الفقر في تجاهل تام لخطورة انحصار المجتمع في طبقتين اجتماعيتين لا غير، وما يحمله من أخطار اصطدامات مستقبليّة بمختلف الأشكال التعبيرية عن الحقد الاجتماعي.

ثانيا، التّخلي التّدريجي عن الأدوار العمومية للدّولة والتي تمنحها بالأساس شرعية وجودها. فقد تعرضت قطاعات أساسية أوّلها الوظيفة العمومية والتّعليم والصّحة لسياسات مُمَنهجًة تُخرجها تقريبا من الواجبات الحكومية التّقليدية. وإذا كنّا نتفهّم تقليص حجم التّوظيف العمومي بالرغم من سوء الخدمات الإدارية، وتعويض توظيفاته القائمة بالأساس على المحسوبية السياسية وضبابية الصيغة بتعاقدات مؤقتة ستحمل المزيد من الهشاشة للخدمات، فإن ما طال قطاع التّعليم خطير وجريمة في حقّ الشعوب في أملٍ للتّرقي الاجتماعي عن طريق المعرفة. فبعد فتح الباب على مصراعيه لتعليم خصوصي قائم على مشروعات في معظمها ريعيّة، وتلغي الرسالة التربويّة النبيلة، ثمّ إهمال التعليم العمومي بشكل جعل مؤسساته في معظمها مصانع شهادات دون معرفة حقيقية، ودون الحديث عن بحث علمي هو في عداد المفقودين منذ زمن، نصل إلى مرحلة إلغاء مجانية التعليم العمومي بشكل نهائي. ومع اليقين أن وضع التّعليم العمومي المزري يجعل ولوجه مقامرة بالمستقبل لا يخوضها غير أبناء الأسر المعوزة، تصرّ حكوماتنا على حرمانهم من مجّانيّتِه، ربّما لتعميق معاناتهم في مواجهة الظلم الإجتماعي أو ربما لضمان تكريس جهل يبعدهم عن أحلام من قبيل صناعة نهضة حقيقية. أمّا قطاع الصّحة العمومية، فلنا اللّه فيما وصل إليه، ولا أحوجنا إلى خدماته قبل أن نلقاه!

ثالثا، خوض إقتصادات عربية لمقامرة تعويم عُملاتها المحليّة بكل ما تحمله من مَخاطِر حقيقيّة، سترمي بالشّعوب في مواجهة تضخّم أكيد. والغريبُ في هذا الإجراء الّذي يُخالِف المنطق الاقتصادي، أنه يَتجاهل هَشاشَة الاقتصاد واختلالات الموازين التّجارية التي تعيشها المنطقة، ويتعامى عن حتميّة ارتفاعٍ مجّاني للمديونية المرتفعة بالأساس، والتي سَترهَنُ مُستقبل أجيالٍ كثيرة بيَد الدّائِنين الذين لا يحملون أيّ نوايا تنمية لنا. وَوحدَهُ المواطن الفقير مجدّدًا، سيتحمّلُ فاتورة هذا القرارِ بكلّ قسوة، أمّا من راكم الثّروات فهذه نافذة الهروب بأمواله بكل أريحية نحو اقتصاداتٍ أخرى تُبنى على الشّفافية، حيث سَيلتزِم بقوانين كان التّحايلُ عليها مفتاحَ نجاحٍ أكيد له من قبل. بل إنّ تحرير العملات قبل تحرير الاقتصادات ذاتها ومحاولة موازنة واردات صناعيّة كثيرة باقتصاداتِ خدماتٍ وصناعاتٍ معيشيّة هو بمثابة تحدّ للعقل ورفض لدوران الأرض مع فرق أن من سيُحرق بَدلًا عن جَالِيليُو هم فقراء شعوبٍ كاملة.

اليدُ الخارجيّة غير بريئة كذلك من تعميق سَقًم الإقتصادات العربية، فلَيس من العَشوائيّة ما عاشه سعر البترول من إنخفاضٍ في مرحلة ما بعد الرّبيع، وحتّى إن استحضَرنا حُسنَ النّية فيما حصل من دمار لمناطق بعينها، فإن فضائح ضُلوع دُولَ بِعَينها في تهريب الذّهب الأسود والتعامل التّجاري مع تنظيمات إرهابية يعلم اللّه حقائق نشأتها ودعمها، تخلق شكًّا منطقيًا في حقيقة انهيار الأسعار التي لم يتضرّر منها غير الدول المنتجة، وأوّلها العربيّة. ثمّ إنّ تأجيج الصّراعات وزراعة الفتن في المنطقة، والتي لا تخدم غير صناعة الأسلحة، تقطع الأمل في صياغة استقرارٍ يَسمحُ بيناء تنمية اقتصادية حقيقية بالمنطقة، بل تضمن تصدّر العرب للوائح زبناء صناعة الحروب لزمن يبدو أنه لن يكون بالقصير.

من يُراهنون على يُسرِ حُكم الجِياع، إنّما يُقامرون بمواجهة غضب الجوعى، وإن كان الإنسان العربي في غالبيته التي تقلّ حيلتها قد تأقلم مع العيش في تخلٍّ عن كرامته الاجتماعية، فإنّ جوع البطون لا قِبًلَ حتّى لصاحبه بإخراسه. أمّا إن كان الهدف هو عقاب الحالمين بالتّغيير أيّام ربيع العرب، فإن الرّبيع يُزهِرُ في القلوب ولا تملك قسوة المعيشة بأن تجتثّ أزهاره في زمنٍ باتت ترتوي فيه من دمقرطة المعرفة التي تحملها الثورة الإلكترونية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد