الاصلاح الاقتصادي بمصر.. التركيز على نصف الكوب الممتلئ

ليس أبلغ من أن تأتي شهادة إيجابية بحقك ممن يترصّدك دومًا، يقعد لك كل مقعد، عبارة مقتضبة أوردها موقع البنك الدولي على صفحته، توضع مآل الوضع الاقتصادي بمصر الآن.. تخبر الكافة بأن الحال لم يعد سيئًا أو سوداويًا.

 خطوات حادة وإجراءات صادمة لم يعتد عليها المصريون، فاتورة دفع ثمنها الفقراء ومحدودو الدخل، ربما يجني ثمارها آخرون في المستقبل القريب أو البعيد.

روشتة الإصلاح الاقتصادي أو ما يُعرف: ببرنامج التثبيت الهيكلي تلك التي يقررها صندوق النقد والبنك الدوليين كوصفة مرُّة الطعم، تُجبر البلدان التي يسوقها حظها العاثر تنمويًا، للخضوع لها.

 لطالما كانت هذه الروشتة شبحًا مخيفًا، يقضُّ مضجع حكومات دول العالم النامي، وصفة قاسية لا ترأف بالفقراء ومحدودي الدخل، لكنها جرعة مرة لا مفرّ منها إن أرادت أي دولة الخروج من عنقة الزجاجة، ونقصد بشكل خاص التبعية الاقتصادية للغير من معونات أو مساعدات.

فهناك فاتورة كان ينبغي أن يدفعها أحد، لكن الحنكة السياسية هي ما يخفف من الآثار السلبية لبرامج التثبيت الهيكلي الإصلاح الاقتصادي، لقد رأينا بلدانًا كثيرة وقعت في شرك تلك الوصفة «الروشتة» الرهيبة، فاضطربت أوضاعها فوق ما كانت متأججة.

عودة لتقرير البنك الدولي عن الوضع الاقتصادي بمصر، نجد الآتي: عند تطبيق برنامج الإصلاح الاقتصادي بمصر خلال الفترة من 2017 حتى الآن، وللتخفيف من الآثار السلبية للإصلاحات الاقتصادية على الفئات الفقيرة والأولى بالرعاية وزيادة الاستثمارات في رأس المال البشري في البلاد، توسعت الحكومة المصرية في تدابير الحماية الاجتماعية الأساسية لتخفيف المعاناة على كاهل هذه الفئات في الأجل القصير.

وشمل ذلك رفع مخصصات بطاقات التموين الذكية، وبرامج التحويلات النقدية المشروطة وغير المشروطة الموجهة. ولدمج التنمية البشرية بفاعلية في تدابير الحماية الاجتماعية، تربط الحكومة شروط الاستفادة من برامج التحويلات النقدية بالوضع التعليمي والصحي. وتتحول تدابير الحماية الاجتماعية في البلاد بعيدًا عن نظم الدعم العام لمنتجات الطاقة والأغذية إلى برامج أكثر توجهًا للحد من الفقر وتعزيز التنمية البشرية.

و إن كان الشيء بالشيء يُذكر، بغض النظر عن سلبيات كثيرة لبرنامج الإصلاح الاقتصادي، والتي طالت حقيقة الفقراء ومحدودي الدخل (أصحاب الدخول الثابتة، سواء موظفيين عموميين، أو مُلّاك عقارات بإيجارات قديمة ثابتة).

فقد خففّت منها بعض الشيء برامج الحماية الاجتماعية، فقد انتهت مرحلة السنوات العجفاء، نجحت مصر في سابقة لم تحدث بتاريخ المؤسسات الدولية المعنية، بخاصة البنك الدولي. في الانتقال الهادئ من مرحلة العوز الاقتصادي الكليّ إلى الوقوف على عتبة التنمية الاقتصادية الحقيقية.

باختصار خرجنا من عنق الزجاجة التي حُشرت فيها رقابنا وأنفاسنا قرابة 70 عامًا، بكل مآسيها ومغامراتها السياسية، بما حملته وحمّلتنا بتكلفة باهظة.

يُحسب للإدارة المصرية الحديثة «إدارة الملف الاقتصادي»، تلك المهارة في تناول هذا الملف بحرص، القفز خطوة تلو الأخرى، وبغض النظر مرة ثانية عن قسوة إجراءات البنك المركزي، وبخاصة قرار ليلة الثالث من نوفمبر (تشرين الثاني) 2016 بتحرير سعر صرف العملة المحلية وما تلاه من ردود أفعال تضخمية جامحة.. يُحسب لهؤلاء، وعلى رأسهم السيد: طارق عامر، تلك الجرأة وذلك العزم.

لكن.. آن أن تنفك العقدة قليلًا عن رقاب محدودي الدخل، أن ينطلق الاقتصاد بقوة للأمام، أن نستمتع ولو قليلًا بثمار ذلك النجاح.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد