منذ أن تولى حزب العدالة والتنمية مقاليد الحكم في تركيا واقتصادها في نمو تدريجي؛ مما جعلها أحد الاقتصادات الناشئة في العالم, الأمر الذي ساعده على البقاء في السلطة لسنوات واكتساحه لمنافسيه بعد كل انتخابات خاضها, غير أن الانتخابات الأخيرة لم تفرز نتائج يرتضيها قادة الحزب، بل كانت صادمة لهم حسب تصريحات الرئيس التركي أردوغان بعد إعلان نتائج الانتخابات.

فالسنوات الأخيرة من حكمه شهدت بعض السياسات السلبية التي أثرت على شعبيته، منها أساليب الشرطة التركية العنيفة في تعاملها مع الاحتجاجات التي عمت ميدان تقسيم عام 2013، فضلًا عن تدهور معدلات النمو الاقتصادي بسبب تدخلات الرئيس التركي في السياسات الاقتصادية للبنك المركزي ومطالباته الدائمة بخفض معدلات الفائدة لرفع معدلات الاقتراض الداخلي، وبالتالي زيادة الاستهلاك المحلي وتشجيع النمو، وهو ما واجه معارضة من محافظ البنك المركزي حينها “إردم باسجي” مما أدى إلى اتهامه بالخيانة, واعتبره المستثمرون تدخلًا في شئون المؤسسة المالية؛ مما أفقدهم ثقتهم في الاقتصاد التركي.

فخلال الربع الأول من السنة الحالية شهدت الليرة التركية تدهورًا شديدًا في قيمتها، الأمر الذي جعل مؤسسات استثمارية كبرى تشعر بالخطر من استمرار استثماراتها في الاقتصاد التركي ومنها مجموعة “سيتي جروب” الأمريكية التي خرجت من السوق التركي وباعت حصتها البالغة 10% بقيمة 800 مليون دولار في “akbank tas” رابع أكبر البنوك التركية في مجال الإقراض.

الأمر الذي جعل مجموعة “deltec” الاستثمارية الدولية تعلن عن تقديرات سلبية للاقتصاد التركي وتعده من الاقتصادات الناشئة ذات المخاطر العالية مثل روسيا وفنزويلا بسبب تراجع الاحتياطيات المالية من العملة الأجنبية البالغة الآن 35 مليار دولار، وهي لا تغطي سوى شهرين فقط كنسبة من الواردات, بالإضافة إلى إجمالي التزامات خارجية يبلغ 430 مليار دولار منها 170 مليار دولار ديون خارجية تقريبًا والباقي التزامات للقطاع الخاص.

وهو ما دفع أستاذ الاقتصاد المقارن كاترين هريثت للقول: “صحيح أن تركيا نجحت في زيادة الناتج المحلي الإجمالي ثلاثة أضعاف خلال العقد الأخير, إلا أن حصتها من الاقتصاد العالمي لم تتغير وظلت 1.41% منذ 1987، وبيانات صندوق النقد الدولي تكشف أن معدل النمو في السنوات الأخيرة أقل من نظرائه في الأسواق الناشئة, علينا نذكر أن التدفقات الرأسمالية إلى تركيا تراجعت من 73 مليار دولار في عام 2013 إلى 43 مليار دولار فقط العام الماضي، وتقلصت الاستثمارات الأجنبية المباشرة إلى النصف خلال عام واحد لتصل إلى 5.5 مليار دولار فقط, واعتبرت أن ما يروج له الرئيس التركي أردوغان من جعل اقتصاد البلاد العاشر عالميًّا “مبالغًا فيه”, مضيفة: “الاقتصاد التركي يتأرجح بين المرتبتين الـ15 والـ20 وفي الواقع تراجع من المرتبة الـ17 إلى المرتبة الـ19 العام الماضي”.

وفي مقابل ذلك يري مختصون اقتصاديون أن الاقتصاد التركي لديه من عوامل القوة التي تمكنه من التغلب على ما يواجه من مصاعب حاليًا, فأكثر من 40% من التجارة الخارجية التركية تتم مع دول الاتحاد الأوروبي, وفي ظل التوقعات بزيادة معدلات النمو في منطقة اليورو فالمتوقع ارتفاع الصادرات التركية مستقبلًا يدعمها في ذلك تراجع قيمة الليرة.

بإعلان نتائج الانتخابات استكملت العملة التركية مسلسل هبوطها وهبطت إلى أدنى مستوياتها منذ 10 سنوات بنسبة 5%, فخلال السبع سنوات الأخيرة هبطت الليرة التركية بنسبة 60% من قيمتها, وهو ما يؤدي إلى زيادة الالتزامات بالليرة في الوقت الذي يعاني فيه البنك المركزي من ضعف الاحتياطيات المالية.

ما أفرزته الانتخابات التركية الأخيرة واضطرار حزب العدالة والتنمية إلى اللجوء لائتلاف مع أحزاب أخرى ليتمكن من تشكيل حكومة ستمثل تقييدًا لطموحات الحزب السياسية والاقتصادية؛ فمن ناحية لن يتكمن الحزب من تكوين أغلبية لتعديل الدستور وتغيير النظام السياسي البرلماني إلى رئاسي بعد إعلان الأحزاب الفائزة رفضهم لذلك, بالإضافة أنها ستحد من تدخلات أردوغان في السياسات الاقتصادية للبنك المركزي لتعزز من استقلاليته وقدرته على اتخاذ القرارات السليمة للسياسات النقدية بشكل اقتصادي بحت بعيدًا عن التدخلات السياسية.

ربما يلجأ البنك المركزي في الفترة المقبلة إلى رفع معدلات الفائدة لتدعيم الليرة ووقف مسلسل هبوطها خاصة أمام الدولار وخفض الضغوط التضخمية، لكن ذلك سيكون له ردود سلبية على الاقتصاد التركي وانخفاض معدلات النمو في الفترة المقبلة, وهو ما يجعلنا نتساءل هل ستقبل الأحزاب المشاركة في الائتلاف عدم التدخل في سياسات وقرارات البنك المركزي وتحمل تراجع معدلات النمو على المدى القصير أم سيتمكن حزب العدالة والتنمية من استمرار سياساته مع البنك المركزي رغمًا عن باقي الأحزاب؟

بتصريح أردوغان بعد إعلان نتيجة الانتخابات أنه ليس لحزبه القدرة على تولي إدارة تركيا بمفرده ولا بد من تكوين حكومة ائتلافية, فتركيا في مفترق طرق إما أن تكون حكومة متناغمة سياسيًّا ومتوافقة في اتخاذ القرارات لتعزز من ثقة المستثمرين في الاقتصاد التركي ومواصلة الاستثمار فيه، خاصة وأن اقتصاد تركيا اقتصاد ناشئ كباقي الاقتصادات الناشئة الذي يعتمد النمو فيه على قدرته على جذب رؤوس الأموال والاستثمارات, وإما أن تكون حكومة ائتلاف ضعيف يؤدي إلى زعزعة استقرار الدولة وتراجع في جاذبية الاستثمار الأجنبي يكون سببًا في تدهور أكثر في الاقتصاد وهبوط أكثر في العملة بشكل يجعل من تكرار تجارب الحكومات الائتلافية التي لم تكن تستمر طويلًا أقرب للتحقيق.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد