«قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِن الْأَرْض إِنِّي حَفِيظ عَلِيم»

إن من أهم مقومات الدول الناجحة هو الاقتصاد وإدارته وفق متطلبات المجتمع وإيجاد الحلول في وقت الأزمات

وتوفير البدائل للموارد الثابتة، فالاقتصاد هو عَصَب الحياة والمحرك الأساسي للسياسة، فمن يسيطر على الفعاليات الاقتصادية يمكنه السيطرة على مقدرات الحياة كلها.

والاقتصاد السياسي الناجح، هو الذي يساعد الدول على:

1- التخلُّص من الفقر: إذ إن أحد أسبابِ الفقر هوَ سوء الإدارة للمال أو ما يعرف بفشل النظام الاقتصادي.

2- تحقيق مستوى معيشي جيِّد مماثل للبلدان التي هي متشابهة في مواردها، وهذا ما يجعل الدول آمنة مطمئنة لا يوجد فيها التظاهرات، ولا الإرهاب، ولا الظلم.

3- تحقيق السعادة للفرد والمجتمع؛ إذ إن من واجب السلطة الحاكمة والسياسيين توفير كل ما فيه سعادة لمجتمعاتهم ودولهم، وبذل كل الجهود من أجل ذلك، ولذلك اختارهم الشعب.

4- إيجاد البدائل للموارد الطبيعية، وإنشاء قطاعات داعمة للاقتصاد للخروج من أي أزمة يمكن أن تؤثر في الاقتصاد العام.

ولو نظرنا إلى الوضع الاقتصادي العراقي لوجدنا مقومات الاقتصاد الناجح قد انعدمت تمامًا بل لا تكاد توجد، ولا مبالغة إذا قلنا إن من تصدروا المشهد هم من تسببوا بفشل الاقتصاد.

فالفقر قد طرق بيوتًا كثيرة من المجتمع العراقي، والتسول قد زادت نسبته، والبطالة قد جعلت الشباب يُلقي بنفسه للموت عبر التظاهرات التي تُقمع كل يوم، والتي لم يمر يوم إلا وفيها شهداء يسقطون من مختلف ميادين المحافظات.

والمستوى المعيشي متدن جدًّا؛ إذا إن المعاش الشهري لا يكفي لنهاية الشهر مع وجود الغلاء في الأسعار، ومتطلبات الحياة الأخرى كثيرة من غذاء، وطبابة، وكهرباء، وغاز المنازل، وبترول العربات، وغيرها كثر.

أما تحقيق السعادة، فلا سعادة لشعب يرى ثروات بلده تهدر، والأموال يجري غسيلها وتهريبها، وأبناؤه يعيشون تحت خط الفقر، والمستوى المعيشي متدن جدًّا، والثلة الحاكمة هي المستفيدة فقط، وأكثر موازنة الدولة في كل عام تصرف وفق تخطيطهم ومصالحهم.

وأما إيجاد البديل للموارد فلم يجر دعم القطاع الزراعي بالشكل الصحيح، بل إن المُزارع ترك أرضه والكثير يسكنون المدن، لانعدام الفائدة والمتاعب من قطاع الزراعة، ولا يوجد الدعم الحقيقي لذلك.

وأما القطاع الصناعي، والصناعة الوطنية، فالمصانع والمعامل والشركات وحقول الدواجن الحكومية.

والتي من المفترض أن تلبي احتياجات الشعب وتقدم لهم أجود المصنوعات التي كان العراق يصنعها ويوفرها.

فكلها بيعت بثمن بخس دراهم للمستثمرين ممن هم أتباع للأحزاب الحاكمة؛ لتكون السرقة مشروعة ولا غبار عليها، وكثير من المصانع أوقفت، وبعضها سرقت محتوياتها بطلب من دول مجاورة ليتم بيع واستيراد منتجاتهم ودعم اقتصاد دول أخرى.

فبعد هذا تبين أن الأزمة الاقتصادية التي يعيشها العراق اليوم نتيجة حتمية لسياسة الفشل التي انتهجتها الحكومة العراقية الحالية والحكومات التي سبقتها التي أعقبت الاحتلال الأمريكي عام 2003.

فالحكومة العراقية أصبحت اليوم عاجزة ولا تمتلك أي خيار للنهوض بالواقع الاقتصادي، بسبب انهيار جميع القطاعات التي كان العراق يعتمد عليها في السابق، كالزراعة والصناعة والسياحة، فضلًا عن تفشي الفساد في كافة مفاصل الدولة.

وأصبح هم السياسي العراقي كيف يحصل على مقعد في البرلمان، وكيف يكون مسؤولًا في وزارة أو دائرة، ثم بعدها كيف يُخرج ما جرى تحصيله من أموال إلى خارج العراق.

لم يفكر الكثير من السياسيين بالاقتصاد ولا تنميتهِ، ولا كيف يجري تطوير المجالات الأخرى من أجل زيادة واردات العراق، كل ما يمكن أن يفكروا فيه هو كيف يرضون الأحزاب، وما يقدمونهُ لهم، وكيف يخدمون الأجندة التي أدخلتهم لمجال العمل السياسي.

هذا الواقع المرير جعل العراق في أزمة كبيرة تتفاقم، ربما لا يعيها أغلب الشعب العراقي؛ بسبب ما تمر به البلاد من فوضى متتالية، صُناعها ومخرجو سيناريوهاتها الساسة العراقيون وأجنداتهم الخارجية.

وأصبحت الحلول شبه مستحيلة؛ لأن الغاية من وجودهم في هذه المناصب والمقاعد السياسية ليس لإخراج العراق من أزماته، أو لإيجاد حلول اقتصادية، ولكن وجودهم للمغانم والمكاسب، فلذلك نرى مع كل تعثر إقرار موازنة أو أزمة في سعر النفط أو أي خلل يخص الأموال؛ فالحل الوحيد هو الاستدانة والقروض الداخلية والخارجية، هذا هو الحل الأمثل عند السياسيين؛ لأنهم مطالبون بدفع ما تم الاتفاق عليه قبل توليهم هذه المناصب.

إن انخفاض أسعار النفط كان له أثر كبير على الإيرادات النفطية التي تشكل ما يزيد على 93% من موارد الحكومة العراقية؛ إذ يعد النفط المورد الأساسي لتمويل الموازنة العراقية.

ولكن الأخطاء الاقتصادية التي تستمر بها الحكومات المتعاقبة في العراق عند مواجهة أي أزمة اقتصادية هي الاستدانة فقط.

وهذه كارثة، فكيف سيسدد العراق الفوائد على القروض الخارجية والداخلية وهو يعيش أزمة اقتصادية.

وفي حال استمرت أزمة انخفاض النفط، فإن العراق سيجبر على استغلال ممتلكات الدولة وعرضها للبيع أو للاستثمار؛ لتجنب الاقتراض وتراكم الديون.

هذا ويشهد العراق، العضو في منظمة الدول المصدرة للبترول (أوبك)، أزمة اقتصادية كبيرة ومع ذلك تستغل الأحزاب الحاكمة التي تسيطر على كل مفاصل الدولة ثروات العراق؛ إذ إن الحصة الكبرى من عوائد النفط تذهب لصالح هذه الأحزاب، التي تهيمن على السلطة بعيدًا عن الرقابة الحكومية، فمنذ 2003 لم تنجز الحكومات المتعاقبة مشروعات عملاقة كي تبرِّر هدر هذه المبالغ الطائلة بل تسببت في دمار مدن وخرابها وحرق محاصيلها وجرفها، بحجة الإرهاب وتطهيرها.

فهل هكذا يدار اقتصاد البلاد وهل القائمون عليه أمناء؟ وهل فيهم وصف سيدنا يوسف قدوة الاقتصاديين الحفيظ العليم؟!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد