تمهيد:

ارتبط في أذهان الكثير من عامة الناس أن الاقتصاد علم بعيد المنال. فهو في نظرهم مجموعة من الرسوم البيانية والمنحنيات والمعادلات المعقدة، وصرخات المضاربين في البورصات، وأخبار تقلبات أسعار النفط، وواجهات البنوك وجداول الميزانيات وغيرها. وبذلك يصعب الولوج إلى ذلك العالم المعقد المتميز بالأرقام والجداول والمنحنيات البيانية. في الجهة المقابلة من ذلك، توارث العديد من المختصين في علم الاقتصاد أو ممن يحسبون على هذا العلم، الغطرسة والتعالي والجفاء بادعائهم التميز والذكاء، ومعرفتهم الأسطورية بخبايا هذا العلم وتمكنهم من نظرياته الصعبة، والتحكم في معادلاته وقياساته اللانهائية. ولذلك ارتأينا سرد هذه القصة البسيطة في محتواها، التي أبرزنا فيها أهم المصطلحات الاقتصادية المستخدمة، وكيفية عمل بعض القطاعات الاقتصادية بكل بساطة.

استندنا في هذه المقالة القصيرة، إلى خاتمة كتاب «معضلة العولمة» للكاتب داني رودريك، والذي نُشِرَ مترجمًا للغة العربية سنة 2014. وهي عبارة عن قصة افتراضية قدمها الكاتب بعنوان “قصة ما قبل النوم للكبار”. وأردنا من خلال إعادة سرد هذه القصة الافتراضية تبيان كيفية سير جزء من النظام الاقتصادي، وأهم المبادئ الأساسية التي يسير بها الاقتصاد. إضافة إلى أهم المصطلحات الاقتصادية المستعملة لدى الأكاديميين والمتخصصين في العلوم الاقتصادية. لذلك فهي فرصة جيدة بالنسبة لغير المتخصصين للتعرف ببساطة على بعض أهم المبادئ والأسس التي يسير بها الاقتصاد.

تدور أطوار القصة في قرية صيد صغيرة تقع على ساحل بحيرة. وكان سكانها القرويون فقراء، يعيشون على الأسماك التي يصطادونها ويكتسون بالملابس التي يحيكونها. لم يكونوا على اتصال بالقرى الأخرى الداخلية، التي كانت تبعد عن قريتهم كيلومترات عديدة، ولا يمكن الوصول إليها إلا عقب أيام من السفر عبر غابة كثيفة. ثم حدث أن شهدت حياة القرويين تدهورًا عندما انخفض مخزون الأسماك في البحيرة؛ فواجهوا ذلك بأن صاروا يصطادون بجد أكثر، لكنهم علقوا في حلقة مفرغة؛ فكلما شحت البحيرة بالأسماك، ازدادت الساعات التي يقضيها كل صياد في البحيرة؛ مما أدَّى إلى استنزاف المخزون السمكي بمعدل أسرع. وهو ما نسميه في الاقتصاد بالاقتصاد المغلق المعتمد على الاكتفاء الذاتي، والذي قد يتسبب في كثير من الأحيان في نظر خبراء الاقتصاد في استنزاف الموارد المتاحة وعدم استدامتها.

ذهب القرويون إلى حكيم القرية طلبًا للمساعدة، فهز كتفيه وقال: »ما فائدة مجلس شيوخنا إذنْ؟ إنهم يجلسون طوال اليوم ولا يفعلون شيئًا عدا الثرثرة في القيل والقال«. تساءل القرويون: “كيف ذلك؟”. أجابهم قائلا: “ينبغي لهم أن يحلوا هذه المشكلة البسيطة، ينبغي أن يكوِّن المجلس جمعية تعاونية من الصيادين، تقرر حصة الأسماك الشهرية التي يحق لكل رجل أن يصطادها؛ وهكذا سيتجدد المخزون السمكي، ولن نواجه هذه المشكلة في المستقبل«. وهنا نتكلم على ما يطلق عليه نظام الحصص، وهو إحدى الطرق المستخدمة في تحديد الكمية التي ينبغي لأحد المتعاملين الاقتصاديين إنتاجها أو استيرادها أو تصديرها خلال فترة معينة أو لوجهة معينة.

أخذ مجلس الشيوخ بمشورة حكيم القرية. فكان القرويون يشعرون بالاستياء لأن الشيوخ باتوا يُملُون عليهم كيفية إدارة أعمالهم، لكنهم تفهَّموا الحاجة إلى هذه القيود. وفي وقتٍ قصير للغاية، عادت البحيرة تعج بالأسماك.

عاد القرويون إلى حكيم القرية، وانحنَوْا أمامه وشكروه على حكمته. وبينما كانوا يغادرون، قال الحكيم: “أراكم مهتمين بمشورتي، هل تحبون أن أشير عليكم بفكرة أخرى؟ فصاح القرويون في انسجام :”بالطبع”. قال الحكيم : “حسنًا، أليس من الجنون أنكم مضطرون جميعًا إلى قضاء كل هذا الوقت في حياكة ملابسكم، بينما تستطيعون شراء ملابس أفضل وأرخص منها بكثير من القرى الواقعة على الجانب الآخر من الغابة؟ أعرف أن الوصول إليها ليس بالأمر السهل، لكنكم لن تُضطروا إلى قطع هذه الرحلة سوى مرة أو مرتين في السنة”.

فتمثل نصيحة الحكيم هنا ما يطلق عليه اليوم بالتخصص في الإنتاج أو تقسيم العمل الدولي. بحيث نادت به العديد من التيارات والمدارس الاقتصادية الليبرالية. ويؤكد هذا الاتجاه على ضرورة انفتاح الدولة على العالم الخارجي، بشراء ما تحتاج إليه بدل إضاعة الوقت والموارد والجهد في إنتاج السلعة التي تستطيع شراءها من الخارج.

تساءل القرويون: “لكن، ما الذي يمكننا أن نبيعه لهذه القرى في المقابل؟”. قال الحكيم: “سمعت أن سكان القرى الداخلية يحبون السمك المجفف”. وهي معلومة تمثل هنا ما يطلق عليه في علم التسويق اكتساب المعلومات التسويقية من الأسواق المستهدفة، وذلك عن طريق دراسة السوق وتفضيلات المستهلكين. بحيث يمكن معرفة مقدار الطلب وكميته ونوعيته. وبالتالي تحديد نوعية المنتوج المطلوب والكمية التي من الممكن إنتاجها والاتجار بها.

فعل أهل القرية ما أشار به الحكيم؛ جففوا بعض الأسماك وبدؤوا تجارة مع القرى الواقعة على الجانب الآخر من الغابة. فصار الصيادون أغنياء لأنهم يبيعون الأسماك بأسعار مرتفعة، نظرا لندرتها في القرى الأخرى. وفي الوقت نفسه انخفضت أسعار الملابس في القرية انخفاضًا حادا نتيجة استيرادها من القرى الأخرى، إضافة إلى حياكتها محليا. وهذا ما يطلق عليه في هذه الحالة دعاة حرية التجارة بمزايا التجارة الحرة، ففي رأيهم كلما زاد الانفتاح على العالم الخارجي، وانخفضت وأزيحت الحواجز الجمركية وغير الجمركية في وجه التجارة، كلما زاد الثراء والنمو الاقتصادي في الدولة المصدرة والمستوردة على حد سواء. إضافة إلى أن ندرة عرض السلعة، يؤدي إلى ارتفاع أسعارها في السوق، وتوفرها بكثرة سيؤدي حتمًا إلى انخفاض أسعارها. وذلك ما حدث بالضبط بالنسبة للأسماك المصطادة من البحيرة والملابس المنسوجة في القرى الأخرى.

لم يكن جميع أهل القرية سعداء بذلك؛ فقد واجه أولئك الذين لم يكن لديهم قارب ويكسبون قوت يومهم من حياكة الملابس معاناة شديدة. وصار عليهم أن يواجهوا منافسة الملابس الأرخص والأجود التي تُجلب من القرى الأخرى. وتعذر عليهم الحصول على أسماك بسعر رخيص، لأن أغلبه أصبح نادرًا في القرية. وذلك يشابه ما يحدث في العديد من اقتصاديات الدول اليوم. فالسلع التي تتميز بإنتاجها دولة معينة وتمتاز بميزة نسبية فيها، قد يرتفع سعرها محليا نتيجة ندرتها بسبب تصديرها الكثيف إلى الخارج. خاصة إذا كانت لا توجد أي قيود على تصدير تلك السلعة، أو كانت الدولة المعنية تمتاز بانفتاح تجاري كبير مع الخارج.

طلب صانعو الملابس المتضررون من هذا الوضع مشورة الحكيم وسألوه عما ينبغي لهم فعله. قال الحكيم: “حسنًا، هذه مشكلة أخرى يتعين على مجلس الشيوخ أن يحلها”. وأردف الحكيم: “ألا تعلمون أن على كل أسرة تقديم تبرع محدد خلال عيدنا الشهري؟”. أجابوا: “بلى”. فرد قائلا: “حسنًا، بما أن الصيادين صاروا الآن أكثر ثراءً، فينبغي لهم أن يقدموا تبرعًا أكبر، أما أنتم فينبغي أن يقل تبرعكم”. هنا تكلم الحكيم بما يمكن أن نطلق عليه اليوم في الاقتصاد «بسياسة الحمائية»، وهي وضع قيود وسياسات تجارية لحماية الإنتاج والمنتجين المحليين. وذلك بفرض رسوم جمركية وقيود غير جمركية على المستوردين. ومن ناحية أخرى يمكن أن تتمثل في سياسات ضريبية معينة، لا يتساوى فيها ذوو المداخيل الكبيرة مع صغار المنتجين، وتسمى عادة «بالضرائب التصاعدية»، أي كلما ارتفع دخل الفرد كلما زادت نسبة الضرائب المفروضة على دخله.

رأى مجلس الشيوخ أن هذا تحقيق للإنصاف في رأيهم، وطلبوا من الصيادين زيادة تبرعهم الشهري. وبطبيعة الحال أثار ذلك ضيق الصيادين، لكنهم قبلوه على مضض ورأَوْا أنه من المعقول الالتزام بما طلبه المجلس تجنبًا لحدوث شقاق في القرية. وسرعان ما سعد بقية سكان القرية أيضًا.

بعد ذلك وتطييبًا لخاطر الصيادين، اقترح الحكيم فكرة أخرى، قال» :تخيلوا كم ستثرى قريتنا إذا لم يُضطر التجار إلى قضاء أيام في السفر عبر الغابة الكثيفة! هل لكم أن تتخيلوا كمَّ الثراء الذي سيحل علينا؟! سنستطيع زيادة تجارتنا إذا أنشأنا طريقًا ممهدًا عبر الغابة”. سأله أهل القرية : “لكن كيف سنفعل ذلك؟”. أجاب الحكيم: “بسيطة، ينبغي لمجلس الشيوخ أن ينظم أفواج عمل تشق طريقًا عبر الغابة وتمهده”. وهنا تشابه هذه الحالة حالة الدولة التي تعقد اتفاقيات وتسهل السبل وتفتح مجالات واسعة للتجارة لمستثمريها المحليين وشركاتها، وذلك من أجل غزو أسواق جديدة في مناطق جغرافية أخرى. وهذا ما تسعى له العديد من الحكومات، خاصة الدول الغربية الكبيرة، حتى ولو كان ذلك عن طريق بسط النفوذ السياسي والعسكري، كما تفعل أمريكا الآن في الشرق الأوسط.

وفي غضون وقت قصير، صارت القرية متصلة بالقرى الأخرى بطريق معبَّد؛ مما قلل مدة السفر وخفض تكاليف النقل؛ فتوسع نطاق التجارة وازداد الصيادون ثراءً من جديد، لكنهم لم يتقاعسوا عن التبرع بجزء من ثرواتهم لأهل القرية الآخرين عند حلول العيد.

لكن بمرور الوقت تبدلت الأحوال؛ فقد سهَّل الطريق الممهد لسكان القرى الأخرى على الجانب الآخر من الغابة الوصول إلى البحيرة وأتاح لهم أن يصطادوا بأنفسهم، وسرعان ما توافدت الحشود التي تريد الصيد. ولما لم يكن مجلس الشيوخ ولا جمعية الصيادين قادرين على إنفاذ قوانين الصيد على الصيادين الوافدين، عاد المخزون السمكي يُستنزف سريعًا.

وفي هذه الحالة تمثل الطريق الممهدة ما يسمى بالتسهيلات التي تقدمها الدولة لمستثمريها وللمستثمرين الأجانب على حد سواء. وهي تشمل التسهيلات القانونية والاقتصادية والحوافز الضريبية والتسهيلات الجمركية. ويمثل هنا صيادو القرى الأخرى ما يسمى بالاستثمار الأجنبي المباشر، لأن قوانين الدولة المحفزة للاستثمار تمس الأجانب كما تمس المستثمرين المحليين، لذلك لا تستطيع الدولة – الممثلة هنا بمجلس الشيوخ – في ظل التزاماتها الدولية واتفاقياتها متعددة الأطراف تقييد حرية الاستثمار والتجارة.

أدَّى التنافس الجديد إلى انخفاض أرباح الصيادين المحليين؛ فبدؤوا يَشْكون من ضرائب العيد الباهظة للغاية، وتساءلوا في يأس: “كيف يمكننا أن نتمكن من منافسة الغرباء الذين لا يخضعون لضرائب مماثلة؟”. ووصل الأمر إلى اعتياد بعض الصيادين المحليين التغيب عن القرية في أيام العيد – لا سيما وقد سهَّل الطريقُ الذهابَ والإيابَ – وتهرَّبوا من التزاماتهم كلها، أدَّى هذا إلى إثارة حفيظة بقية أهل القرية. وهنا يمثل تخلف المحليين عن الدفع ما يسمى في الاقتصاد بهروب الاستثمار وكذلك التهرب الضريبي. بحيث يلجأ المستثمرون المحليون لهذه الإجراءات عندما يحسون بالظلم وعدم المساواة مع المستثمرين الأجانب، لذلك يفضلون العمل والنشاط خارج دولهم كنوع من الاحتجاج ويبحثون عن بيئة اقتصادية أكثر جذبًا وربحية.

في هذه الأثناء رأى سكان القرية بأنه آن الأوان للذهاب مجددًا لزيارة الحكيم. عقدت القرية اجتماعًا طويلا وصاخبًا جادل فيه كل جانب جدالا حماسيا دفاعًا عن قضيته. وأجمع الكل على أن الوضع غير قابل للاستمرار، لكن تباينت الحلول المقترحة. فأراد الصيادون تغيير القوانين بحيث تقل تبرعاتهم في الأعياد الشهرية، وأراد البعض الآخر وقف تجارة الأسماك مع الغرباء. بل وطالب غيرهم بقطع الطريق بالصخور كي لا يتمكن أحد من دخول القرية أو الخروج منها. استمع الحكيم إلى هذه الآراء، وقال بعد تفكير مَلي:  “يجب أن تكونوا متعقلين وتفكروا في حلول وسط”، ثم أردف قائلا: “إليكم اقتراحي: ينبغي لمجلس الشيوخ أن يقيم كشك تحصيل رسوم عند بوابة الطريق، بحيث يدفع كل خارج وداخل رسومًا محددة”.

اعترض الصيادون قائلين: “لكن هذا سيزيد تكلفة تجارتنا”. فرد الحكيم: “نعم بلا شك”. واستطرد قائلًا: “لكنه سيقلل أيضًا الإفراط في الصيد وسيعوض الخسارة التي فقدناها من تبرعات الأعياد”. ثم استطرد وهو يتجه برأسه ناحية القرويين الذين أرادوا قطع الطريق:  “ولن يوقف التجارة تمامًا”. وبهذا يمكن استخلاص أن الدولة عليها في النهاية أن تستخدم الطريقتين، طريقة تشجيع التجارة والاستثمار الأجنبي، وفي نفس الوقت استخدام فكرة الحمائية في بعض القطاعات لحماية مصالحها الحيوية والاقتصادية، وكذلك حماية المنتجين والمستثمرين المحليين والمؤسسات الوطنية. وهذا لن يوقف التجارة تمامًا كما قال الحكيم.

خلاصة:

في نظرنا ورأينا البسيط أن فهم سير النظام الاقتصادي ليس بالصعوبة التي يعتقدها الكثيرون. بحيث يمكن لأي مجتهد دارس وبجهود قليلة فهم أهم الأسس والركائز التي يقوم عليها علم الاقتصاد. ومن القصة البسيطة السابقة يمكن استخلاص أن أبطالها يمثلون ما يسمى بالمتعاملين الاقتصاديين وهم الأفراد والهيئات الناشطة في الاقتصاد المحلي والدولي ويمكن تمثيلهم هنا بـ:

الحكيم: هو في نظرنا يمثل منظري ومؤطري النظام العالمي من رأسماليين وأصحاب الأعمال ومرابي البنوك ومديري الشركات وأصحاب المصالح والنفوذ في عالم المال والأعمال. فهم يديرون دفة الاقتصاد العالمي يمينا وشمالا كما يريدون.

مجلس الشيوخ: يمثل هنا الدولة والحكومة الوطنية المغلوبة على أمرها منزوعة السيادة والإرادة، فهي في أحيان قليلة تسيطر على الوضع الاقتصادي، وفي أحيان كثيرة تعجز عن استخدام سيادتها وسلطتها حتى على قطاعاتها الاقتصادية المحلية.

الصيادين المحليين: هم المستثمرون ورجال الأعمال المحليون الذين ينشطون على المستوى الوطني، دون أن يستطيعوا مواجهة المنافسة الأجنبية حتى على المستوى المحلي وفي عقر دارهم.

صيادي القرى الأخرى: يمثلون جماعة المستثمرين الأجانب والشركات متعددة الجنسيات الأجنبية الجشعة، التي تتصيد أي فرصة للانقضاض على الفرص الاستثمارية في القطاعات المثمرة للدول الضعيفة خاصة (التي تقل فيها نسبة العراقيل والعوائق الاستثمارية).

جمعية الصيادين: تمثل مجموعة النقابات والمنظمات المهنية وجماعات أرباب العمل والاتحادات، التي تعمل على حماية المصالح المشتركة لمجموعة متعاملين ينشطون في نفس المهنة أو نفس القطاع. وذلك بسبب اقتناعهم بضرورة التعاون والتنسيق والتشاور في المسائل لحماية مصالحهم المشتركة.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد