معظم الاقتصاديين النيوليبراليين سيقولون لنا: أن آدم سميث له مقولة شهيرة وهي: “إنه ليس من إحسان الجزار، الخباز أو الطباخ أن نتوقع طعامنا، بل بسبب أنهم يخافون على مصالحهم يقدمون لنا تلك الخدمات”.

السوق يسخّر بطريقة جميلة طاقة الأفراد الأنانيين الذين فقط يفكرون في أنفسهم (وفي عائلاتهم) لإنتاج التناغم الاجتماعي، وفشلت الشيوعية عندما أغفلت ورفضت أن تأخذ في الاعتبار تلك الغريزة الإنسانية ورمت بالاقتصاد إلى الفشل عندما ظنت أن الكل غير أناني وفقط يفكر في مصلحة الآخرين أو على الأقل يقدم الآخرين على نفسه.

حتى نبني نظامًا اقتصاديًا دائمًا يجب أن نتوقع الأسوأ من الآخرين، هكذا يقول معظم “الاقتصاديين النيو ليبراليين”.

ولكن، يقول الكاتب والاقتصادي في جامعة كامبريدج هاجون شانج (Ha Joon Chang) في كتابه “ثلاثة وعشرون شيئًا لم يخبروك عنها في الرأسمالية”: أن المصلحة الذاتية هي بلا شك من أقوى الغرائز في الإنسان. ولكن هي بلا شك ليست الدافع الوحيد لدى الإنسان. وفي أحيان كثيرة هي ليست الدافع الرئيسي لدينا. في الواقع، لو كان العالم مليئًا ببشر لا يفكرون سوى في مصالحهم الشخصية، سيكون معظم وقتنا في الغش والسرقة، وإن لم نكن نغش أو نسرق، سنبحث عن طريقة لنحاسب الذين يغشون ويسرقون.

العالم مسير بتلك الطريقة (أي فيه الخير والشر) فقط لأن الناس ليسوا أولئك الذين يبحثون عن مصالحهم وحسب كما يظن النيوليبراليون. نحن بحاجة إلى تصميم نظام اقتصادي يعترف فقط بأن الإنسان قد يكون في بعض الأحيان أنانيًا، ولكن الناس أيضا تريد الخير للآخرين وتتقوقع الأفضل منهم. الاحتمال هو، أننا إن توقعنا الخير من الناس سنأخذ الخير منهم، وإن توقعنا الشر منهم سنستقبل الشر منهم.

نعم نحن لسنا ملائكة، ولكن قاعدة النفس الأنانية التي تقبع في عمق النظرية النيو ليبرالية لها صلة كبيرة بحياتنا الشخصية. كلنا تعرضنا للسرقة من قبل تاجر نصاب، من أول البائع الجائل إلى شركات الأغذية التي تبالغ في إعلاناتها عن المكونات الصحية لدى منتجاتها. ونعرف الكثير من السياسيين الفسدة والموظفين الكسالى والمرتشين في الشركات الخاصة والهيئات الحكومية الذين لا يفكرون في المصلحه العامة.

وبلا شك الكثير منا (لا أستثني نفسي) يأخذ قسطًا من الراحة زيادة عما نستحق، وأيضًا نعرف الكثير من شركائنا في العمل لا يعملون بما فيه الكفاية. غير ذلك نحن نقرأ في الأخبار عن عدد لا بأس به من سياسيين ورجال أعمال لم يفيدوا المجتمع بقرش. كل هذا صحيح ولكن هناك الكثير من الأدلة وليس فقط حكايات أن دافع المصلحة الشخصية ليس فقط الدافع الرئيسي في المعاملات الاقتصادية.

دافع المصلحة الشخصية بلا شك من أهم الدوافع ولكن هناك الكثير من الدوافع مثل الصدق، الأمانة، الحب، الإيثار، الإيمان، التعاطف، الوطنية… إلخ، والكثير من الدوافع الأخرى التي تدفعنا في تلك المعاملات أكثر من دوافع المصلحة الشخصية. كيف ستنجح شركة أو شخص لا يثق في أي أحد ويتوقع السوء من الكثير من الذين حوله؟

تفاءلوا بالخير تجدوه.
للأسف، الرأسمالية النيوليبرالية من أكثر “العلوم” تشاؤمًا! تقول لنا إنه يجب أن نتوقع أن الكل لا يفكر سوى في مصلحته ولا يفكر في الآخرين. بينما في الحقيقة هناك الكثير (بالطبع ليس كل) من قصص النجاح في مشارق الأرض و مغاربها تقول لنا أن نجاح الكثير من الشركات والأشخاص كانت بالتكاتف والتعاضد والثقة في الآخرين.

بلا شك قد تقصد تلك القاعدة أن تحذرنا فقط، ولكن أن تقبع تلك القاعدة في صميم النظرية فمن هنا تكمن المشكلة.

هناك أيضًا قاعدة من قواعد “الاقتصاد العشر” لدى الرأسمالية تقول أن الموارد على الأرض محدودة، وإن كانت تلك النظرية صحيحة فهي لم تساعد العالم بل دمرته، وكل ما يجب أن تعمله هو أن تقرأ “- Confessions of An Economic Hitman اعترافات قاتل اقتصادي محترف” لتعرف وتعي.

وعلى عكس تلك النظرية فإن الله يقول في سورة الإسراء: “كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا”. و يقول الله عن أولئك الذين يظنون أن الموارد محدودة ويسعون لاحتكارها أيضًا في سورة الإسراء: “قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي إذا لأمسكتم خشية الإنفاق وكان الإنسان قتورا”.

في النهاية، العالم يحتاج إلى نظام اقتصادي يعترف بقيمة الإنسان كإنسان قبل أن يعترف به كمادة استهلاكية واقتصادية. والحقيقة هي أن الإرادة السياسية هي فقط التي ستغير تلك المنظومة الاقتصادية. السياسة والاقتصاد شقيقان منذ زمن.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد