أتساءل عن الخطوة القادمة عقب قرار التعويم، خصوصًا بعد أن ارتفعت مستويات الأسعار ارتفاعًا جمًا. هل ستتحرك السياسة النقدية في مصر، وتتخذ في طياتها قرارًا صريحًا بإعلان استهداف التضخم؟ خصوصًا أن مصر  الأن بيئة خصبة، حيث إنه بتحديد هدف كمي رقمي لمعدل التضخم لفترة زمنية واحدة أو أكثر، سيتم من خلالها احتواء الارتفاعات المبالغ فيها التي نتجت عن التعويم المدار للعملة الوطنية، والتي تم تركها لقوى العرض والطلب، دون إعلام الجمهور بكيفية التعامل مع ذلك القرار؛ الأمر الذي أثار تخوف البعض، ولجأوا إلى تحويل عملتهم الوطنية إلى عملات أخرى أجنبية، وذلك باعتبارها في هذه الحالة مخزنًا للقيمة، خوفًا من انهيار عملتهم الوطنية، وبالتالي تم استغلال خوف الجمهور بالسوق السوداء، وتمت المغالاة في أسعار العملات الأجنبية، الأمر الذي فاقم من وضع العملة الوطنية، وأدى إلى انهيارها بشكل متسارع.

عقب قرار التعويم وجهت السياسة النقدية البنوك التجارية إلى ضرورة تيسير عمليات تغير العملات إلى المواطنين، وعدم تركها لتجار السوق السوداء الذين أطاحوا بوطنيتهم واستباحوا الربح من وراء انهيارها، ومن هنا بدأت مرحلة تحول جديدة في السوق النقدي، ففي الواحد والعشرين من مايو (أيار) عام 2017 سجل الدولار 18.05 بيع، وسجل اليورو 20.163655 بيع، وسجل الجنيه الإسترليني 23.5236 بيع، بينما كان أغلاهم على الإطلاق الدينار الكويتي؛ حيث سجل 59.4431 بيع.

السؤال هنا يكمن في: هل نستغل الوضع الحالي بالتصدير؟ ولكن  كيف ونحن لا نملك سلعًا كافية لكي تفوق السلع المستوردة، وتعكس الكافة الراجحة الدائمة في ميزان المدفوعات؟

الإجابة هي نعم، يمكن في ظل الوضع الاقتصادي الحالي، إننا يمكن أن ننتج دون ارتفاع في التكاليف، ولكن أيضًا كيف؟

 عن طريق استخدام البدائل، أي إذا لزم أمر الاستيراد، فلماذا لا نستورد من دول بديلة تعمل على سد احتياجاتنا، ولكن بتكلفة أقل؟ لماذا لا نعمل على تصدير الخدمات، كالسياحة العلاجية والأثرية والدينية؟ فنحن نملك كافة أنواع السياحة، ولكن لجذب السياحة وتصدير تلك الخدمة لابد من أعلان الاستقرار الأمني، الأمر الذي سيجعل رؤوس الأموال الأجنبية مطمئنة للاستثمار في مصر، وبالتالي توفير عملة صعبة، وتوفير فرص عمل، وتوفير سلع تسد الاحتياج العام، لابد من تغيير مفهومنا عن الاستيراد والتصدير الذي اقتصر على المأكل والملبس…

لأن الاستيراد والتصدير قد يكون استيراد خدمة تعليمية تعمل على استعادة مركزنا العلمي مرة أخرى، أو أستيراد خدمة صحية تعمل على وضع نظام تأميني مفيد للأفراد، أو استيراد خدمة النقل العامة لتيسير عمليات النقل بما يتناسب مع المعاملة الآدمية للأفراد، أو استيراد خدمة إعلامية تتيح للجميع التعبير عن رأيه في نطاق الاحترام وعدم التجاوز؛ مما سيؤثر إيجابيًا على الأفراد.

إن كان الاستيراد ضرورة، فلنستورد من الإيجابيات ما يكفي لتصديره في صورة سلع وخدمات إلى العالم الخارجي، وبالتالي نسترجع التدفق النقدي الخارج الذي استوردنا به، بما يقابله من تدفق نقدي داخل يعوض عن ما أنفق.

 لنستورد العلم والثقافة والابتكار؛ فملء البطون لن يبني مجدًا، والتفاخر بالملبس لن يقدم أُمة. لنستورد بناء لعقولنا يجعلنا فخرًا بين الأمم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد