تُعتبر العلوم الإنسانية والاجتماعية بكل فروعها، وحقولها، من أعرق العلوم في التاريخ؛ ظلت تلك العلوم هي الجواب الوحيد على الكثير من الاستفسارات، التي طالما راودت المجتمعات، وحتى الآن يظل دارسو تلك العلوم الملاذ الأول، للرجال، الدول، والدين، وبقية رجال العلوم، فهي، بجانب كونها أم العلوم، فهي أيضًا العلوم التي لا تستطيع الدول، ولا المجتمعات، أن تنهض، وترتقي، بدونها، أو بدون باحثيها.

ظلت تلك العلوم في «مصر» تتمثل في أقسام داخل الكليات في الجامعات المصرية، يدرس الطلاب بها تحت مسمى كليات مختلفة، مثل: «الآداب، والتجارة، والحقوق»، ولكن المسمى واحد، وهو أن جميعهم طلاب علوم إنسانية واجتماعية. جميعهم طلاب علم تتدفق مبادئه العريقة من كبار علماء تلك العلوم على مر التاريخ.

ظل طلاب العلوم الإنسانية والاجتماعية سواسية فيما بينهم، إلى أن تم إنشاء كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، بجامعة القاهرة، بموجب قرار رئيس الجمهورية العربية المتحدة رقم 91 لسنة 1959، والذي حدث أنه تم نقل قسم العلوم السياسية وقسم الاقتصاد بكلية التجارة جامعة القاهرة إلى الكلية الجديدة، وكذالك كلية الأعلام.

كانت مبادئ الكلية رصينة وعادلة، ولكن وجودها وبشكل منفرد جعل من دارسيها الوجه الأول والأوحد أمام الدولة، مُتناسين بذالك طلاب العلوم السياسية وطلاب الاقتصاد وطلاب الصحافة والإعلام داخل كليات التجارة والآداب، فتطور الأمر وازدادت حدة الاشتعال والمنافسة بين طلاب العلوم الإنسانية والاجتماعية، بين أغلب طلاب كلية القاهرة الذين يرون أنفسهم رقم واحد داخل الدولة «إن لم يكن جميعهم»، وبين بقية الطلاب داخل الأقسام في بعض الجامعات المصرية، بالرغم من أن جميعهم طلاب علوم إنسانية واجتماعية، ولا فرق بينهم، ومن يحدد ذلك هو الثقافة والعلم والمهارات التي يكتسبها كل منهم، والجهد الذي يبذلونه، وليست مجرد مُسيات لا فائدة منها.

والآن، وبعد أن تم افتتاح كليات الدراسات الاقتصادية والعلوم السياسية بجامعتي بني سويف والإسكندرية، وقريبًا في جامعة قناة السويس وجامعة أسيوط، زادت حدة المنافسة، وزاد استعلاء واستنفار طلاب وأساتذة جامعة القاهرة، مرددين بأن هذه الكليات، وطالبيها، ليسوا مناظرين للكلية بجامعة القاهرة، ضاربين بعرض الحائط مضمون الكليات، وهو الارتقاء ونشر العلوم الإنسانية الاجتماعية، مستمسكين بظواهر الأمور فقط بالرغم من أن جميعهم متساوون.

لم يكن استنفار وغضب كلية جامعة القاهرة من إنشاء الكليات الجديدة أمرًا جاء من فراغ، بل جاء في سياق أن الدولة لا تحتاج إلى طلاب ليس لدى سوق العمل مُتسع لهم، ولكن إذا كان هذا السبب فعلًا، فلم تم منع طلاب الأقاليم من الدراسة بكلية جامعة القاهرة؟ الأمر واضح، وهذا تأكيد غير مُباشر بأن كلية جامعة القاهرة كلية لا نظير لها، وأنها تقدم مُحتوى لا مثيل لهُ، وأن خريجي تلك الكلية يفوقون بقية الطلاب في كافة الجمهورية، علمًا وثقافةً واطلاعًا، ولكن الأمر خطأ، وفي غاية الغباء والسذاجة.

إذا أردنا أن نتحدث عن المحتوى في جميع أقسام العلوم السياسية والاقتصادية والصحافة والإعلام في مصر نجدها كما هي بدرجات متفاوتة، بل بعض الأقسام خارج كلية جامعة القاهرة تقدم محتوىً ورعايةً واهتمامًا أفضل مما تقدمة جامعة القاهرة لطلابها؛ حيث إن بعض الأقسام تدرس بعض حقول العلوم السياسية والاقتصاد، والبعض الآخر يدرس العلم بكافة حقوله، ولكن في النهاية المحصلة واحد، جميع الطلاب يدرسون علومًا اجتماعية وإنسانية، وليس صحيحًا أن كلية الاقتصاد جامعة القاهرة تمتلك أكفأ العناصر المتميزة في مصر، ولكن جميع أقسام العلوم السياسية في جامعات مصر تمتلك أفضلك عناصر العلوم السياسية والاجتماعية في العالم، ومنها أسيوط والإسكندرية وحلوان وبني سويف والسويس والمنصورة والمنوفية.

الذي يعطي الأفضلية لكلية الاقتصاد بجامعة القاهرة أنها كلية العاصمة، تقع بجوارها جميع الوزارات والمؤسسات السيادية ومراكز التفكير والبحوث التي هي عمل أولئك الطلاب، نجد ودًا وترابط بينها وبين الدولة، لذلك يتمثل الاهتمام الأول والأخير بها بكونها كلية العاصمة ومحط أنظار العالم، في حين إن هناك طلابًا مثلهم، وربما أكفأ، وأعظم منهم، لهم حق على الدولة، ولهم حقوقهم في العمل وتمثيل الدولة خارج مصر. وهذا ليس مقتصرًا على طلاب جامعة القاهرة فقط.

وإذا أردنا الحديث عن سوق العمل لتلك الأقسام نجدها محدودةً، وغير واضحة؛ إذ إن أغلب الطلاب لا يدرون أين سيعملون بعد التخرج، والذي أوصلنا إلى هذا هو التدهور الشديد لطلاب تلك العلوم، والذي سببه العنصرية التي غرزتها الدولة فينا، فيظل طالب العلم في صراع مع نفسه بأن يكون أفضل من الجميع؛ لأنه طالب بذلك القسم أو طالبا بتلك الكلية، وقليل من يجدون التوازن الروحي بداخلهم، وأما عن مجالات العمل الأخرى، غير الالتفات إلى العمل الدبلوماسي الذي هو حلم هؤلاء الطلاب فهو متاح للجميع، نجد أن الأولوية لطلاب كلية جامعة القاهرة ولا أعلم لماذا؟ لماذا وجميع الطلاب درسوا نفس العلوم؟ ربما الاختلاف مجرد مُسميات لكليات معينة! بالطبع لا؛ فهذا لا يعتبر اختلافًا، ولكن يُعتبر عنصرية واضحةً وصريحةً.

ولكن في هذا السياق، والذي يؤكد أن جميع طلاب تلك العلوم سواسية، هو أننا نجد بعض مراكز التفكير والمؤسسات المعنية تطلب «بكالوريوس علوم سياسية، أو بكالوريوس اقتصاد»، دون تحديد، وهذا دليل على أن جميع الطلاب متساوون، فجميع طلاب الأقسام في كافة كليات الجمهورية، سواء كانت «اقتصاد وعلوم سياسية» أو «تجارة» جميعهم يتخرجون ببكالوريوس علوم سياسية أو بكالوريوس اقتصاد. فلماذا ألقينا العنصرية في قلوب طلاب أهم العلوم في التاريخ، طلاب يحملون على عاتقهم أمهات العلوم، والذي يفترض بهم أن يُنموها، وأن يجعلوها سيرة تُكتب لمن بعدهم من طالبي تلك العلوم.

وعندما نقوم بالمقارنة مع دول العالم، نجد أنهم وضعوا تلك الأقسام في أماكنها الصحيحة، فخارج مصر يوجد قسم العلوم السياسية داخل كلية الحقوق تحت مسمى: «كلية الحقوق والعلوم السياسية» وبالفعل هذا مكانها الحقيقي، وقسم الاقتصاد داخل كلية التجارة تحت مسمى: «كلية الاقتصاد والتجارة، أو كلية التجارة وإدارة الأعمال»، وبعضهم يضعون القسمين مع الحقوق تحت مسمى «كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية» وهذا مكان مناسب، ولكن في مصر أخذنا القسمين ووضعناهما في كلية بدون اسم!

كلية اسمها على اسم التخصصين الرئيسين بها، وفتحنا من خلالها بوابة العنصرية ليعبر منها طلاب أهم العلوم ويواجهوا إخوانهم في العلم من طلاب أقسام الكليات الجديدة في جميع أقسام الجمهورية رافعين راية التمييز والانفراد، ضاربين بعرض الحائط إخوانهم في العلم، ولا يعلمون أنهم سواسية، والذي يحدد من الأفضل كما قلنا سابقًا «الثقافة، والعلم، والمهارات التي يكتسبها كل منهم، والجهد الذي يبذلونه في دراستهم»، ليس مجرد مسميات تافهة، مضمونها واحد.

أرى أننا فتحنا بوابة لا ميزة لها، وأيضًا، إنشاء كليات مماثله هو أمر خطأ وخطير، ولا يجب أن ندفع بخريجي أقسام لا يطلبها سوق العمل كثير، ولا يجب أن تتسرع الدولة في أخذ قرارات إنشاء كليات جديدة، دون دراسة، ودون العناية جيدًا بالوضع الاقتصادي واحتياجات سوق العمل داخل الدولة، وسنظل دائمًا طلابًا لأهم العلوم في التاريخ، «سواسية»، ولا فرق بيننا، حاملين على عاتقنا مهمة الأجيال والمجتمعات من بعدنا، فنحن قدوة لمن بعدنا، فلا تجعلوا أنفسكم هزوًا، فيأكل بعضكم بعضًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد