نهضة الدول النامية …..اليابان نموذجا

 بعد أن قامت الثورة الصناعية  الفرنسية عام 1789 م على يد طبقة برجوازية متوسطة للقضاء على الإقطاع وتأسيس الجمهورية الحديثة وإسقاط الملكية، كان العالم ما زال في طوره الكلاسيكي القديم، وكانت عملية التطور داخلية ذاتية في آسيا وبلاد ما وراء النهر، لكن موازين القوى قديمًا وحديثًا تفرض أن يكون للدول أبعاد جيوسياسية وجيوثقافية كى تصبح قوة عظمى، وهذا ما فعله نابليون بونابرت في حروبه مع الممالك الأوروبية لتصدير الثورة إليها، وهنا يتجلى مفهوم: صدام الحضارات، الذي نظر له صمويل هنتجتون حيث قامت الثورة على فلسفة مادية بحتة قد نتج عنها نُظُم إدارية سياسية، وأراد أن يفرضها على الشرق.

1_  تحديث لا تغريب

لقد احتفظت اليابان بشخصيتها القومية من خلال تطبيقها لإحدى استراتيجيات التنمية من حيث تقييد الاندماج الخارجي والاعتماد على النظم الداخلية في كل مجتمع كآلية يعتمد عليها فى تحقيق النمو، وأن التطور في المجتمعات المحلية يعتمد على العقيدة والقيم والعادات التقليدية.

وفي هذا الصدد يقول مالك بن نبى مفكر الحضارة: لقد أخذ العرب من الحضارة الغربية الأشياء خاصة، واليابان استقدمت الأفكار خاصة.

ولذا فقد أجاب د.تاداؤ أوميساؤ Tadao Umesao الباحث المتميز في الحضارات المقارنة عن سؤال: لماذا هذا النجاح المبكر من جانب اليابان فقط دون الدول غير الغربية؟

قال: لا يوجد غموض هنا؛ حيث برزت اليابان كدولة صناعية غير غربية بشكل طبيعى للغاية، ذلك لأنها تقع على مسافة ليست بالقريبة جدًا أو البعيدة عن الحضارات العظمى في يوروآسيا، مثل حالة الصين والهند والشرق الأوسط (الإسلام)،لقد استطعنا امتصاص الإنجازات الثقافية لهذه الحضارات عندما تعرضتا للغزو والتدمير، لقد قمنا بمزج الثقافة الداخلية مع التأثير الأجنبى بشكل دقيق دون أن نلغى شخصيتنا أو نبدأ من الصفر،لقد تطورنا تحت ظروف تاريخية  بداية من الإمبريالية المركزية إلى الإقطاع المركزى إلى الحكم الاستبدادي، وأخيرًا الرأسمالية.أ.ه‍

ولذا فإذا أرادت أمة أن تنهض وتتقدم لابد لها من استقلال فكري وتاريخي وسياسي، ولا يتحقق هذا، إلا بلغة للعلم والمعرفة والبحث، وهي من عمق الإرث القديم، فلا تنهض أمة بدون لغتها، ونتاجها العلمي، وثقافتها الذاتية.

2_التكيف التحويلى

ونعنى به التكيف بهدف التحول، وهذه فلسفة قد اقترحها كيجى مائيجاوا Keiji Maegawa، الباحث فى الإنثربولوجيا الاقتصادية بجامعة تسوكوبا، حيث قال: إن الدولة عليها أن تأخذ بزمام المبادرة في تقرير شروط الاندماج، وعليها أن تتأكد من أنها قادرة على استعادة ملكيتها الاستقلال الوطني، والاستمرارية الاجتماعية، والاحتفاظ بالشخصية القومية، الدولة قد تتغير إذن، لكن إدارة هذا التغيير هي من اختصاص حكومتها وشعبها، وليس بواسطة شركات ومنظمات أجنبية.

وهذا ما فعلته اليابان منذ عهد ميجي Meiji.

وقال أيضًا: إن الأهمية الكبرى لما يسمى بعملية التحديث هو التقبل بهدف التكيف لقيم الحضارة الغربية مع استمرارية الشكل السائد من الثقافة المتواجدة.

فبعد تحالف حكومة إيدو مع أمريكا وعقد اتفاقات تجارية واقتصادية معها كان ذلك سببًا في سقوطها بعد أن اعترضت عليهم الأمة، وعادت حكومة ميجى مجددًا، مما يدل على أن الثقافة القديمة والاستقلال الذاتي المؤسسي عامل قوي في نهضة الأمم والشعوب.

3_التعليم

إن انتشار التعليم فى عصر إيدو غالبا ما يشار إليه أنه السبب في التقدم الصناعي؛ فقد كانت هناك  مدارس باكوفو، وقد قامت على تعليم الكونفوشية، كفلسفة قديمة بدأها كونفوشيوس من القرن السادس إلى القرن الخامس قبل الميلاد، وقد كانت تحض على النظام الاجتماعي، وأسلوب القيادة السياسية الجديدة، واحترام كبار السن والأعلى منزلة.

وكان السؤال الأكثر أهمية: كيف يمكن الموائمة بين المبدأ الأجنبي وحقائق الواقع الياباني؟ وهنا يتضح دور التعليم في ترسيخ القيم التي تضمن نهضة واستقلالًا ذاتيًا اقتصاديًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

كتاب التنمية الاقتصادية فى اليابان الطريق الذى قطعته اليابان كدولة نامية لكينئيتشى أونو-ودراسات اقتصادية حول نهضة الدول النامية
عرض التعليقات
تحميل المزيد