القضاء على الفساد والاستبداد والظلم تلك الأهداف التي حركت المصريين أثناء ثورة 25 يناير. كانت الآمال كبيرةً عندما سقط نظام مبارك في عام 2011، نحو بناء دولة سقفها هو القانون الذي لا يميز بين أبناء الوطن الواحد، لكن الأوضاع تغيرت، وما خرج ضده المصريون يتمنون لو يعود ليوم بسبب الأزمات والفوضى التي أصبحنا فيها، وكم التدهور الذي حل بنا وبهذا البلد، والذي لا نعلم متى ينتهي ويذهب، ولا خطة واضحة للحكومة تتضمن جدولًا زمنيًّا معينًا يمكن من خلالها أن نكون قادرين حتى على أن نتفاءل بمستقبل هذا البلد الذي في خلال 3 سنوات فقط حل به كل هذا التدهور الذي أسرد إليكم بعض منه.

تدهور القدرة الصناعية

تراجعت القدرات الصناعية المصرية التحويلية التي تتميز به مصر من بين الدول العربية، وهذا لعدة أسباب بعضها تراكمي والآخر نتيجة للأزمات الأخيرة بسبب تدهور المصانع، وضعف الصناعة التحويلية. وفي 17 مايو 2015، قال وزير الصناعة والتجارة منير فخري إن أسباب تراجع القدرات الصناعية المصرية لعدة أسباب على رأسها أزمة الدولار، والتي تتضاعف بشكل مستمر بسبب تأثيرها في قدرة المنتجين المصريين على فتح اعتمادتهم لاستيراد المواد الخام، إضافة إلى أزمة الطاقة التي أثرت في القدرات الإنتاجية للمصانع بسبب عدم توزيع الغاز عليها، ويشير تقرير لوزارة الصناعة والتجارة إلى أن قطاعات المطاعم والفنادق، والاستخراجات، وقناة السويس، والصناعات التحويلية، قد انكمشت في الربع الأول من السنة المالية الحالية مقارنة بنفس الفترة العام السابق، وانكمش قطاع المطاعم والفنادق بنسبة 37.5%، كما تقلصت الصناعات التحويلية بنسبة 1.6%، وساهمت الاستخراجات في معدل النمو بعدما انكمشت بنسبة 3.4%، كما كان لقناة السويس مساهمة بالسالب، بعدما انكمشت بنسبة 1.8%.

تراجع القدرة الزراعية

وفي دولة تعد من أقدم دول العالم في الزراعة، إذ قامت حضارتها على الزراعة على ضفافنهر النيل، إلا أن المنتجات الزراعية تدهورت بصورة شديدة في السنوات القليلة الماضية لعدة أسباب على رأسها قلة الجودة وانخفاض الإنتاج المحلي إضافة إلىالاختلافات في الممارسة الإنتاجية التي تتبع في المزارع الأمر الذي يعكس منتجًا محليًّا غير متجانس، ويفتقد إلى المعايير العالمية التي تفرضها الأسواق العالمية. وهو ما دفع أكثر من 6 دول إلى وقف استيراد الخضروات والفواكه المصرية، وهي روسيا واليابان والمملكة العربية السعودية والسودان والكويت، وتأتي الولايات المتحدة بعد صدور تقرير وزارة الزراعة الأمريكية بشأن صادرات مصر من الخضار والفواكه والأغذية، وعلى رأسها الفراولة التي يتم ريها بمياه المجاري، والتي تسبب الإصابة بمرض الكبد الوبائي فصيلة «أيه».

ارتفاع نسبة البطالة

البطالة مشكلة اقتصادية، كما هي مشكلة نفسية، واجتماعية، وأمنية، وسياسية، وجيل الشباب هو جيل العمل والإنتاج؛ لأنه جيل القوة والطاقة والمهارة والخبرة، وأن تعطيل تلك الطاقة الجسدية بسبب الفراغ، لا سيما بين الشباب يؤدي إلى أن ترتد عليه تلك الطاقة لتهدمه نفسيًّا مسببة له مشاكل كثيرة في تقرير الجهاز المركزي للتعبئة العامة، قال إن معدل البطالة بين الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين (15- 29 سنة) تبلغ 27.3% من إجمالي قوة العمل في نفس الفئة العمرية، في حين بلغ معدل البطالة بين الشباب الذكور 21.0%، وبين الشباب الإناث 46.8% من إجمالي قوة العمل في نفس الفئة العمرية، و19.9% معدل البطالة للفئة العمرية (15- 19 سنة)، و25.7% معدل البطالة للفئة العمـرية (20- 24 سنة)، و31.3% معدل البطالة للفئة العمـرية (25- 29 سنة)، و36.1% معدل البطالة بين حملة المؤهلات من الشباب (15-29 سنة)، هذه نسبة كبيرة جدًّا في بلد أغلب أفراده هم في سن الشباب، وبسبب البطالة وما تسببه من فراغ نفسي وفكري فأغلب الشباب إما أنه يتجه نحو الجنس والمخدرات والجريمة المنظمة، وجميع هذه الاتجاهات بدأت تبرز في المجتمع بصورة كبيرة ومفجعة، إضافة إلى ارتفاع معدلات الطلاق والتفكك الأسري، وهذا أيضًا يعني أن هناك أطفالًا يؤثر فيها مجمل هذه الأوضاع، فحالة الأسر المصرية أصبحت الأسوأ منذ عقود طويلة.

ضعف النظام الصحي

بعدما أعلن البنك المركزي تحرير سعر صرف الدولار في 3 نوفمبر الماضي، كانت هذه أول ضربة قاسمة للنظام الصحي في مصر، ثم جاءت الضربة القاضية من مجلس الشعب بعد اعتماده تطبيق القيمة المضافة بنسبة 13% الذي هدم النظام الصحي بأكمله بسبب الآثار الناتجة بعد ارتفاع سعر الأدوية بشكل جنوني وإغلاق بعض المستشفيات أو تخصيص بعضها من قبل الحكومة إضافة إلى إغلاق غرف الغسيل الكلوي ونقص شديد في الأدوية المستوردة والمحلية، في 12 فبراير الماضي أعلن الدكتور أحمد عماد وزير الصحة والسكان أن زيادة الأسعار الجديدة للأصناف الدوائية تشمل 15% من أدوية الشركات المحلية و20% من المستورد، ليرتفع المحلي الذي سعره من 1 إلى 50 جنيهًا بنسبة 50% والأدوية التي سعرها من 50 إلى 100 جنيه سيرتفع سعرها بنسبة 40% والأدوية التي يزداد سعرها عن 100 جنيه سترتفع بنسبة 30%، وبالنسبة لزيادة المستوردة للأدوية التي سعرها من 1 إلى 50 جنيهًا سترتفع بنسبة 50%، بينما ما فوق الـ 50 جنيهًا سترتفع بنسبة 40% لتشمل هذه الزيادة أكثر من 3000 صنف.

الأمن الغذائي

والمقصود بالأمن الغذائي مدى قدرة الدولة على تلبية احتياجاته من الغذاء الأساسي من منتوجه الخاص أو استطاعته على استيراده تحت أي ظرف ومهما كان ارتفاع أسعار الغذاء، لكن مصر أصبحت عاجزة عن القدرة على تلبية الاحتياجات الأساسية للمواطنين، في الأسابيع القليلة الماضية واجهت 7 محافظات أزمة حادة في رغيف الخبز وطوابير بالمئات تقف أمام الأفران للحصول على الرغيف، ليس رغيف الخبز وحده هو الذى يكافح المواطن المصري في الحصول عليه، لكن السكر الذي شهد موجة ارتفاع لم يشهده هذا البلد من قبل حيث بلغ الكيلو الواحد 24 جنيهًا ثم هبط إلى 14 جنيهًا للكيلو، والزيوت والقمح والعديد من السلع الرئيسية التي يفتقدها المواطن الذي أصبح حديث حاله «حسبنا الله ونعم الوكيل» وسبب ضيق الأحوال قد ساهم في ارتفاع معدلات الطلاق بسبب عدم قدرة الأب على الوفاء بكامل احتياجات الأسرة من المأكل والمشرب والملبس.

زيادة حدة التفاوت الطبقي داخل المجتمع وانحسار الطبقة الوسطى

ازدادت حدة التفاوت الطبقي داخل المجتمع المصري بصورة مقلقة بسبب الإجراءات الحكومية الأخيرة التي أثرت على الطبقة الوسطى، الأمر الذي أدى إلى انحسار هذه الطبقة، وهو مؤشر خطير في أي بلد، حيث تعتبر الطبقة الوسطى هي رمانة الميزان في أي مجتمع وانحسارها أو تقلصها يخلق أزمات متعددة بمبدأ «أزمة تخلق أزمات» وفي تقرير التايمز البريطانية تقول إن قرابة 10 في المئة من الطبقة المتوسطة المصرية تنحدر الآن نحو الطبقة الفقيرة بسبب الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تمر بها البلاد. غالبًا في مثل هذه الأحوال تدخل الحكومة لتعالج هذا التفاوت والفوارق البينة داخل المجتمع عن طريق السياسات التي تضعها، فهذه هي أحد أهم الوظائف الأساسية للدولة إن لم تكن الأهم على الإطلاق، لكن الحكومة المصرية تفعل عكس هذا تمامًا؛ حيث زادت المعاشات العسكرية أكثر من 6 مرات في أقل من 3 سنوات، إضافة إلى الزيادات في مرتبات القضاة والشرطة، والتي كان آخرها الحافز الذي أعلن عنه وزير الداخلية لرجال الشرطة.

التدهور القيمي والأخلاقي وارتفاع معدلات الجريمة داخل المجتمع المصري

أب يقتل أبناءه، وأخوان يعاشران أختهما، وجميعهم لم يبلغ العشرين من عمره، والأب يشترك معهم ويقتل الطفلة ليخفي الفضيحة، أشياء تقشعر لها الأبدان حينما تسمعها للوهلة الأولى، ما الذي حدث في المجتمع المصري؟ ولماذا تدهور إلى هذا الحد؟ ما الذي حدث للإنسان المصري، أخلاقياته وقيمه وثقافته؟ الفرد المصري الآن أصبح يرتشي يغش ويكذب وينافق، معدلات التسرب من المدارس ترتفع، والتعليم ومؤسسات التنشئة أيضًا في تدهور بالغ التعقيد، إذن ما السبيل إلى إصلاح المجتمع الذي كل من الاستبداد لعقود طويلة أفقدته ثقافته وسلبت منه قيمه وشجاعته وإقدامه وأفسدت أخلاقه، لكن كيف يمكن أن نصلح من حال الفرد والمجتمع إن لم يكن هناك منصات إعلامية تخاطب هذا الفرد بموضوعية تحترم عقله لا تعمل على تغييبه وتجاهله عمدًا، وإن لم يكن هناك رجل دين يبث في أرواح الناس قيم الدين الحنيف، وحث الناس على الخير والتسامح ونبذ الكذب والظلم، وإن لم يكن هناك مثقف، ذلك المرآة التي تعكس أوضاع المجتمع ليعلم أين يقف، وإلى أين يجب أن يذهب، وما موقعه بين الأمم والشعوب ذاك الشمعة التي تضيء للمجتمع دروب الظلام، وإن لم يكن فينا حاكم عادل مصلح، وإن لم يكن هناك قانون في هذا البلد لا يفرق بين ابن الوزير وابن عامل النظافة، إنني لا أستطيع أن أعالج ما طرأ على المجتمع من مفاسد في مقال واحد، لكنني أقول إن هناك شيئًا خطأ، شيئًا يجب إصلاحه قبل فوات الأوان، وكل يختص بجزئية في معالجته للمجتمع، وما حل به من هذه الفوضى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد