في البداية علينا أن نفهم ما هو اقتصاد الاكتفاء الذاتي، أو توجه الحكومات لسياسة الاقتصاد الذاتي؟

الاكتفاء الذاتي من الناحية الاقتصادية هو أن تكتفي الدولة من احتياجات شعبها من الحاجيات الأساسية، بدءًا بتوفير عصب الحياة لشعوبها من (مأكل ومشرب وملبس)، وهنا بسطت الكلمات لأنها تشمل جميع ما يحتاجه المواطن من طعام وشراب، ثم نتوسع بدخول الصناعات الأخرى التي يحتاجها المواطن من صناعات نسيجية والصناعات الدوائية وانتهاءً بالصناعات الإنشائية والإلكترونية والكهربائية والأثاث التي تدخل في بيت كل مواطن، وهذه تعتبر المرحلة الأولى لمرحلة اكتفاء بيت المواطن ذاتيًا من الإنتاج الذاتي المحلي الصنع.

ثم ننتقل إلى تعريف أوسع للاكتفاء الذاتي عندما أوسع القائمة لتشمل الصناعات الاستراتيجية من صناعات ثقيلة كالصناعات (البتروكيمياويه –  الحديد والصلب – تكنولوجيا الإلكترونيات المعقدة – الرقاقات الذكية والإلكترونية – السيارات – المعدات الثقيلة …. إلخ.

بعد أن أعطينا تعريفًا بسيطًا لمفهوم الاكتفاء الذاتي الاقتصادي، ربما يسأل سائل ما فائدة هذا النوع من الاكتفاء؟ وكيف نصل إليه؟ وما فائدة تلك البلدان (اقتصاديًا) للوصول لمرحلة الاكتفاء الذاتي؟

وهنا علينا أن نصل لجواب واف وكاف لمن يسأل هذا النوع من الأسئلة، ففائدة هذا النوع من التوجه الاقتصادي هو:-

 أولًا – التخلص من الاستيراد المستمر للسلع والخدمات التي أبسط سيئاتها هو تدمير يومي ومستمر لاقتصاد البلد من خلال خروج العملة الصعبة إلى البلدان المصدرة لتلك السلع والخدمات وإنهاك مستمر للعملة المحلية.

ثانيًا – الخروج من دائرة الدول المصنفة تحت تسمية (الدول النامية أو الدول المتخلفة اقتصاديًا) التي تعيش على استهلاك غيرها من المنتجات والسلع، وفي حال تعرض البلدان المستورده للسلع لأية أزمة اقتصادية، سواء كانت داخلية أم خارجية من الممكن أن يعرضها لتدهور سريع في توفير تلك السلع والخدمات للمواطن، وبالتالي انهيار العملة، وفي النهاية تدمير لاقتصاد البلد الضعيف من الأساس.

ثالثًا – تحصين الشعوب من أي توجه خارجي قد تتعرض له في يوم من الأيام لفرض أي حصار  أو حرب اقتصادية من الممكن ن يعرض ذلك الشعب لمجاعه أو تهديم لاقتصاده وعملة بلده النقدية داخليًا وخارجيًا.

رابعًا – توفير فرص عمل تقدر بمئات الآلاف أو أكثر من الأيدي العاملة البسيطة والدرجات الوظيفية في المستويات الوظيفية العليا من الخبراء والمبتكرين ومتخذي القرار الإداري والصناعي والإنتاجي على حد سواء، وبذلك يتم التخلص تدريجيًا من حالات الفقر ونسبة البطالة الموجودة في البلد التي تثقل كاهل البلد والحكومات.

خامسًا – بعد أن يكتفي البلد من هذه السلع والخدمات سيتوجه البلد تلقائيًا إلى سياسة (البلد المصدر للسلع والخدمات) لأنه ببساطة عند الإنتاج الداخلي المستمر بمرور الوقت سيبدأ البلد بالتحول إلى (الإنتاج الفائض)، والذي سيتم تصديره إلى البلدان التي لازالت تحت مسمى (البلدان النامية).

بعد الاجابه عن التساؤلات أعلاه، ووضحنا (بعض) الفوائد التي تم اختيارها وذكرها وكيفية الانتقال من بلد مستهلك وفقير إلى بلد منتج وغني خلال فترة لا تتجاوز 10 سنوات من التخطيط والتنفيذ السليم لمن أراد الشروع بهكذا توجه لذلك علينا أن نسأل أنفسنا مرة أخرى هل توجد دول قريبة علينا وفي محيطنا القريب انتقلت من حالة الاستهلاك إلى حالة الاكتفاء الكلي؟

نعم هنالك الكثير من دول العالم التي من الممكن أن نأخذها نموذجًا لطرحنا اليوم، ولكي لا نذهب بعيدًا في خريطة العالم الواسعة سنأخذ لموضوعنا اليوم دولتين قريبتين منا، ألا وهما (تركيا وإيران). فتلك الدولتان انتقلتا وبمراحل زمينة مختلفة عن بعضها، ولكنهما وصلتا لنفس النتيجة: (الاكتفاء الاقتصادي الذاتي المطلق)، والذي جعل من بلدانه حصنًا منيعًا من أي حصار اقتصادي خارجي قد تتعرض له، وحتى لو تعرضت له في يوم من الأيام فلن يؤثر بشيء على شعوبها؛ لأنها ببساطة لا تستورد شيئًا من الممكن أن يؤثر على حياة مواطنيها أومستواهم المعيشي، حتى لو تعرضت لحصار لمدة 1000 عام، فلن يؤثر عليهم، لذلك من الصعب أن تتعرض تلك البلدان إلى ضغوط خارجية أو تهديدات، وهي فعلًا لا تهتم إن تعرضت للتهديد أو الضغوط الدولية.

 وهنا يجب علينا أن ننوه إلى أنه ليس علينا في هذا المقال أن نوضح هل نحن متفقين مع السياسة الخارجية لتلك البلدان أم مختلفين، وهل تلك السياسة (الخارجية) صحيحة أم خاطئة، وهل هي صديقة للدول المجاورة لها أو عدوة، فهذا لا يهمني اليوم، وما يهمني هو سياستها الاقتصادية (الداخلية)، وعلينا كدول (نامية) أن ناخذ هذه الدول كنموذج اقتصادي بسيط من الممكن أن نأخذه كمثال ربما نستفيد منه في بلداننا العربية، ونفهم فعلًا أن من استطاع أن يوفر لشعبه ما يحتاج باكتفاء ذاتي، فمن الصعب على الدول الخارجية أن تستغله أو تضغط عليه، وعلى شعبه، أو تحاربه من خلال تعريض شعبه للتجويع أو الحصار الاقتصادي الذي يعتبر أشد تأثيرًا من القنابل والحروب العسكرية.

فمتى لحكوماتنا أن تنتبه لشعوبها، وتفكر بتحصين بلدانها وشعوبها اقتصاديًا قبل التفكير بتحصين نفسها عسكريًا بصفقات سلاح مليارية أو التفكير بالحروب العسكرية قبل أن تفهم أن حروب الحاضر والمستقبل لو حصلت ستكون حروب مال واقتصاد لا حروب قنابل ومن يمتلك اكتفاء ذاتيًا سينجو مع شعبه إلى بر الأمان، ومن لا يملك تلك المقومات سيكون من السهل تدميره وسحقه  كحال الكثير من الدول المحيطة بنا التي نراها كل يوم على شاشات التلفاز.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد