منذ عامين ونصف، إنشغلت القيادة السياسية الفلسطينية والعربية، بما طرحه الرئيس الأمريكي ترامب، حول رؤيته لحل أحد أعقد قضايا الشرق الأوسط، وهو الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية والعربية. التي يعتبر خلق حلًا لها، مدخلًا لحل العديد من القضايا المتفرعة الأخرى، كتطبيع وتطوير العلاقات بين الدول العربية وإسرائيل. أو بالأحرى خلق شرق أوسط جديد!

في البداية اهتم الفلسطينيون، والرؤساء العرب، بتصريحات الرئيس الأمريكي ترامب، وتعاملوا معها بإيجابية، كونها سابقة، وتعد هذه المرة بشيء جديد ومختلف من الإدارة الأمريكية. لكن سرعان ما باتت ترشح العناوين والمحاور الرئيسية لصفقة العصر. سيما بعدما اعترف الرئيس الأمريكي ترامب بالقدس دون تحديد (الشرقية التي يطالب بها الفلسطينيون كعاصمة، او الجزء الغربي من المدينة المقدسة) كعاصمة لإسرائيل. وإن كان يفهم بشكل بديهي أن عدم التحديد يُقصد به المدينة كاملة. وذلك إرضاءً لإسرائيل، واللوبي اليهودي في أمريكا، أو جعل الأمر مطاطًا ويخضع للتفاهم مستقبلًا.

منذ ذلك الحين أعلنت الرئاسة الفلسطينية بعدم قبول الولايات المتحدة الأمريكية وحدها كراعٍ لعملية السلام، لانحيازها الكبير تجاه إسرائيل، وتباعًا بدأت العلاقات تأخذ بين الشد والجذب، وصولًا إلى قطع الاتصالات بين الطرفين، وإغلاق مكتب منظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن. وتجفيف المساعدات المالية الأمريكية المقدمة للسلطة الفلسطينية، وتقليص كبير للمساهمات المالية المقدمة لوكالة تشغيل اللاجئيين الفلسطينيين.

بالونات الاختبار

خلال العامين ونصف المنصرمين، اعتمد فريق الرئيس الأمريكي ترامب على تصريحات معينة تجاه رؤيته لحل القضية الفلسطينية، والصراع العربي الإسرائيلي؛ كان يهدف من ورائها قياس ردة الفعل العربية والفلسطينية وحتى الإسرائيلية. فالمتابع لتلك التصريحات سيدخل في حالة من التشتت حول طبيعة وشكل الحل الذي يسعى له فريق ترامب.

الواقع أن الرئيس الأمريكي حين تحدث عن ان هنالك حل نهائي للصراع العربي الإسرائيلي وسيكون صفقة العصر، لم تكن لديه خطة واضحة لهذا الحل. وما تلك التصريحات التي في أحيان كثيرة متناقضة، إلا بالونات اختبار يسعى فريق الرئيس الأمريكي من ورائها إلى إعداد مسودة للحل، التي أُجل الإعلان عنها في أكثر من مناسبة؛ نظرًا لطبيعة الصراع المعقدة والمركبة التي يتصف بها الصراع العربي الإسرائيلي.

الاقتصاد أولًا

استقر فريق الرئيس الأمريكي على خطة لحل الصراع العربي الإسرائيلي، وإن صدقت التسريبات الأخيرة حول خطة ترامب، فإنه يقدم للفلسطينيين شكلًا غريبًا من أشكال الحكم، يمكن وصفه بأنه أقل من دولة، وربما أعلى بقليل من حكم ذاتي. حيث يفقد فيه الفلسطينيون أحد أهم مبادئ قيام الدول، وهي السيادة. بالإضافة لفقدان جزء كبير من أراضي الضفة الغربية لصالح المستوطنات، التي ستضمها إسرائيل لها.

ودون الخوض في تفاصيل الخطة المسربة، فإن الفلسطينيين أبدو رفضهم لأي خطة حل لا تتضمن صراحة الحديث عن دولتين لشعبين، وإنسحاب إسرائيل من كامل الأراضي التي احتلتها عام 1967. رافقهم في ذلك الرفض باستحياء بعض الدول العربية.

وفي معرض جهود فريق الرئيس الأمريكي للترويج للخطة، فإنه ارتأى بأن تطوير اقتصاد الفلسطينيين والدول العربية، وإقامة مشاريع اقتصادية ضخمة في المنطقة، من شأنه أن يؤثر على القرار السياسي في فلسطين والدول العربية بقبول الخطة. ومن هنا جاءت فكرة الورشة الاقتصادية التي ستقام في دولة البحرين، في 25/26 يونيو (حزيران) المقبل. والتي أيضًا رفض الفلسطينيون رسميًا المشاركة فيها؛ على قاعدة ان القضية الفلسطينية سياسية بالدرجة الأولى، وأن أي مساعٍ للحل، لا تتضمن حلًا سياسيًا عادلًا، مرفوضًا من قبل القيادة السياسية الفلسطينية.

مستقبل فلسطين وصفقة العصر

بالنسبة للإدارة الأمريكية فإن الأمور واضحة، حيث إنها ستعمل على قطع المساعدات المالية لأي طرف سيرفض الصفقة، وستعمل على منع حصول هذا الطرف على أي مساعدات مالية من أي أطراف أخرى. وبما أن إسرائيل هي شريك أساسي في صياغة بنود صفقة العصر، بالإضافة للاعتراف الأمريكي بالقدس عاصمة لإسرائيل، والسيادة الإسرائيلية على الجولان السوري المحتل. فإنه من البديهي عدم توقع رفض إسرائيلي للصفقة، أو حتى إبداء تعديلات وتحفظات عليها.

وبما أن الطرف الفلسطيني قد ابدى مسبقًا رفضه لصفقة العصر؛ نتيجة الممارسات الأمريكية على الأرض، فإننا نتوقع أن تعاني السلطة الفلسطينية أزمات اقتصادية خطيرة تهدد وجودها في الأشهر التي ستتبع الإعلان عن صفقة العصر. وبما أن إسرائيل على أرض الواقع لن يؤثر عليها شيء، سواء قبول الفلسطينيون لصفقة العصر أو رفضوها؛ كونها ثبتت وقائع حقيقية على الأرض.

فإنه تظهر لنا مجموعة من الأسئلة: ماذا بعد؟ هل سيبقى الأداء السياسي الفلسطيني بنفس الوتيرة؟ هل ستنهار السلطة الفلسطينية؟ هل سنبقى في حالة صراع دائم مع الإسرائيليين؟ وأسئلة كثيرة وكبيرة أخرى، تحتاج منا كفلسطينيين إلى وقفة جادة للإجابة عليها.

الخلاصة

أخطر ما في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، هو البقاء في حالة صراع دائم والاعتياد عليه، بدون أي أفق أو رؤية واقعية للحل، والتعويل فقط على المستقبل.

العودة بالتاريخ للوراء، تثبت أن ما طرح على طاولة الحل بين العرب والإسرائيليين كان أفضل بكثير مما يطرح الآن. مع الأخذ بالاعتبار العديد من العوامل والظروف في كل وقت. كما يجب علينا أن نأخذ في عين الاعتبار، أن موازين السياسة دقيقة جدًا، حيث إنه لا يمكن بأي شكل من الأشكال أن تحصل على شيء أنت لست أهلًا له. قد يكون في ذلك ظلمٌ شديد وإجحاف؛ لكن هكذا تسير الأمور في عالم السياسة.

علينا الانتباه أيضًا أن الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤها أشبه بأن يكونوا باخرة عملاقة، ستحتاج إلى وقت طويل جدًا حتى تستدير إلى الوراء!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد