الاكتفاء الذاتي إحدى السياسات الاقتصادية التي تهدف إلى الاستغناء عن الاستيراد من الخارج، وذلك بالاعتماد على المنتجات المحلية، بدلاً من الأجنبية، في إشباع الاحتياجات الاستهلاكية من مختلف السلع والخدمات.

كما تهدف إلى التقليل من مستوى التبعية السياسية والاقتصادية للدول الأخرى وبالتالي تحقيق درجة أعلى من الاستقلالية في القرارات والمواقف الدولية والداخلية.

هذا لا يعني وقف أو قطع التبادل التجاري مع الدول الأخرى ، وإنما إعداد وتأمين شروط وظروف داخلية وطنية لتحقيق ربحية أعلى للتبادل الاقتصادي عبر قنوات تقسيم العمل الدولي ومن ثم ينمو الإنتاج المحلي كميا ونوعيا. وبالتالي تحقيق مستوى إشباع نوعي وكمي أعلى لاحتياجات المواطنين الاستهلاكية والاستثمارية.

كما يؤدي الاكتفاء الذاتي إلى ارتفاع مستوى الرفاهية الاقتصادية والاجتماعية بشكل عام. كل هذه التحولات لا تحدث تلقائيا ولابد من بذل الجهود المكثفة والحثيثة من جميع الوحدات الاقتصادية، أفرادا ومؤسسات وعلى كافة المستويات، ضمن أجواء الديمقراطية والشفافية الاقتصادية والسياسية والاجتماعية.

عجز الميزان التجاري وارتفاع الواردات

الميزان التجاري هو المؤشر الأكثر واقعية ومصداقية للتعبير عن حالة الاقتصاد في أي دولة، فكلما انخفضت نسبة العجز زادت نسبة الثقة في الاقتصاد، وعلى مستوى مصر يعاني الميزان التجاري من العجز المتفاقم، حيث تواصل الصادرات هبوطها الحاد، فيما تحلق الواردات بعيدًا

سجل الميزان التجاري عجزا بقيمة 24.60 مليار جنيه خلال أبريل الماضي، مقابل 16.11 مليار جنيه لنفس الشـهر من العام السابق، بنسبة ارتفاع بلغت 52.7%؛ وفقا لتقرير صادر عن للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.

وانخفضت الصادرات بنسبة 18.9%، حيث بلغت 14.0 مليار جنيه خلال أبريل الماضي، مقـابـل 17.26 مليار جنيه لنفس الشهر من العام السابق.

فيما ارتفعت قيمة الواردات بنسبة 15.67%، حيث بلغت 38.60 مليار جنيه خلال أبريل، مقابل 33.37 مليار جنيه لنفس الشهر من العام السابق، وذلك لارتفاع قيمة بعض السلع؛ حيث زادت قيمة منتجات البترول بنسبة 117%، والسيارات بنسبة 72.4%، وذرة بنسبة 47.8%، وخشب ومصنوعاته بنسبة 2.2%.

يرى محللون أن الاستيراد يقتل الصناعة الوطنية، وأثر سلبيا على الإنتاج القومى وارتفاع معدلات البطالة وارتفاع اسعار المنتجات نتيجة توقف الإنتاج فى الكثير من المصانع المحلية لعدم قدرتها على منافسة السلع المستوردة والمهربة وخاصة السلع والمنتجات “الصينية”.

من جانبه، قال الدكتور حمدى عبدالعظيم عميد أكاديمية السادات للعلوم الادارية السابق أن مصر تعتمد على استيراد ما يقرب من 60% من الاحتياجات الأساسية والغذائية من الخارج وذلك يتسبب في استمرار ارتفاع نسبة العجز فى الميزان التجارى، علاوة على تسابق المستوردين على الاستيراد من الخارج بدون أى قيود او ضوابط بما أضر الصناعة الوطنية والمنتجات المحلية والاقتصاد المصري بشكل عام.

وأوضح حمدي أن ارتفاع قيمة العجز فى الميزان التجارى لها تداعيات سلبية واسعة على الاقتصاد المصرى حيث ستؤدى إلى تأكل العملة الاجنبية بالسوق وبالتالى تراجع نسبة احتياطي النقد الأجنبى، كما ان ارتفاع العجز فى الميزان التجارى سيؤدى إلى زيادة قيمة الدولار أمام قيمة الجنيه بما يؤدى أيضا إلى ارتفاع فاتورة الاستيراد وينعكس بشكل مباشر على ارتفاع اسعار المنتجات بالسوق المحلى، وارتفاع تكلفة الإنتاج نتيجة زيادة تكلفة استيراد المواد الخام ومستلزمات الإنتاج.

سياسة سعرية مجزية لمحاصيل الحبوب

زراعيا، رأى الدكتور عبد السلام جمعة رئيس مجلس الحبوب والمحاصيل البقولية بمركز البحوث الزراعية والملقب بـ«أبو القمح» أن تحقيق الاكتفاء الذاتي حلما صعب المنال فنقص المساحة الصالحة للزراعة في مصر والبالغة 8.5 ملايين فدان يقف حائلا أمام حلم الاكتفاء الذاتى من القمح، حيث تستهلك مصر 15 مليون طن سنويا، فيما يصل إجمالى إنتاج القمح المصري نحو 9 ملايين طن سنويا فقط، ويتم استيراد باقى الكمية من الخارج، كما أن مصر تزرع نحو 3 ملايين فدان من محصول القمح سنويا، ولكى يتحقق الاكتفاء الذاتى لا بد من زراعة 5 ملايين فدان، وهو ما يؤثر سلبًا على باقى المحاصيل التي تنتجها مصر.

لكنه أشار إلى أن حل أزمة الاكتفاء الذاتي يتمثل فى تحديد سياسة سعرية مجزية للمحاصيل تشجع الفلاحين على الزراعة.

فيما قال الدكتور محمد رضا اسماعيل وزير الزراعة الأسبق، أن الوصول لمرحلة الاكتفاء الذاتى من المحاصيل الاستراتيجية تتطلب العمل علي زيادة التوسع الأفقي من خلال زيادة الرقعة الزراعية، بجانب التوسع الرأسي من خلال العمل علي زيادة انتاجية الفدان.

وأضاف إسماعيل أن الوصول للاكتفاء الذاتى من محصول القمح يتطلب زيادة مساحتة الزراعية بنسبة مليون فدان إضافية ليصل إلى 4 مليون و 378 ألف فدان، بالإضافة إلى تحسين الإنتاجية عن طريق مراكز الأبحاث لتصل إلى متوسط إنتاجية 20 أردب للفدان.

دعم التصنيع المحلي وترشيد الاستيراد

مصر تستورد كميات كبيرة من السلع الغذائية والملابس الجاهزة والمنسوجات، ولعب الأطفال والمنتجات الوسيطة مما يؤدى لإهدار فرص عمل كثيرة، وبسبب ذلك ينتظر صدور قرار بفرض 40% نسبة تصنيع محلي في تنفيذ المشروعات الكبرى، بهدف الارتقاء بالقدرات والإمكانات الهائلة للصناعة المصرية وزيادة القيمة المضافة للمنتجات المحلية، فالحد من الاستيراد الترفي والانفاق الحكومي، وتحسين الصناعة من خلال توفير فرصة للتصميم المحلى ينافس العالمى وإنشاء صناعات صغيرة، هي الخطوة الأولى لبناء اقتصاد قوى ينافس عالميا ومحليا.

وكان الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء أشار إلى أن إجمالي واردات مصر من السلع الاستفزازية يصل لنحو 5 مليارات دولار شهريا.

من جانبه، أكد منير فخرى عبد النور وزير الصناعة والتجارة والمشروعات الصغيرة والمتوسطة علي أن دعم التصنيع المحلي للصناعة المصرية أصبح ضرورة للحد من استيراد الكثير من المنتجات وأيضا لزيادة القيمة المضاقة للخامات والمعادن التي تمتلكها مصر والعمل علي الاستفادة منها لإنتاج منتجات بجودة عالية تضاهي المنتجات المستوردة تفتح معها الآلاف من فرص العمل.

فيما قالت الدكتورة سهير شعراوى، أستاذ الاقتصاد بجامعة بنها : إن السلع تنقسم إلى 3 فئات الأولي هي السلع التي تنتج في مصر وتغطي احتياجات الاستهلاك فلا يتم استيرادها، والثانية السلع التي يقل الإنتاج منها عن احتياجات السوق المحلية ، ويجب أن يكون الاستيراد في حدود الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك، أما الفئة الثالثة فتشمل سلعا لا تنتج في مصر على الإطلاق كالخشب وخامات الورق وهذه لابد من استيرادها خاصة إذا كانت سلعا وسيطة أو خامات إنتاج.

وتطرح شعراوى، الحل لتقليل زيادة الواردات عبر إنشاء صناعات صغيرة – كما فعلت النمور الآسيوية- تشمل صناعات رئيسية وأخري مغذية لها، وبالتالي ستنخفض نسبة المكون الأجنبي، وتوفر فرص عمل جديدة مؤكدة على العمل بالمواصفات القياسية العالمية، الأكثر شيوعا فى الصناعات المحلية لتتمكن من الصمود في مواجهة السلع المستوردة والنفاذ للأسواق الخارجية.

وأكدت الدكتورة ماجدة شلبى، أستاذ المالية بالجامعة الفرنسية، أنه يجب ترشيد الاستيراد للحد من العجز في الميزان التجاري والآثار السلبية له والعمل على تنمية الصادرات المصرية والتي تعتبر قضية قومية، وترشيد الانفاق في مجال الواردات مؤكدة أن واردات السلع الاستهلاكية تعتبر الشريحة الأكبر التي يمكن من خلالها ترشيد الإنفاق دون التأثير على حركة الإنتاج ، فالاقتصاد القومي يحتاج إلى الواردات من السلع الوسيطة والاستثمارية والمواد الخام، وطالبت باتخاذ بعض الإجراءات مثل فرض رسوم جمركية بشكل خاص علي السلع الاستهلاكية المستوردة التي لها مثيل محلي مع زيادة نسبة المكونات المحلية في التصنيع المماثل لهذه السلع محليا، وإتاحة الفرصة للجهاز المصرفي ووحدات قطاع الأعمال بالتمييز في التعامل مع عمليات الاستيراد بين السلع الأساسية اللازمة للتصنيع، وبين الأغراض الاستهلاكية أو الترفيهية من خلال نظم ائتمانية أكثر كفاءة.

كما شدد الدكتور محمد صالح، عضو الجمعية السعودية المصرية لرجال الأعمال، على ضرورة الحد من استيراد السلع الاستهلاكية والاستفزازية والتي لها مثيل محلي وذلك عبر طريق تقديم مصر طلبات إلى منظمة التجارة العالمية بمجموعة من السلع المحددة والتي سيتم فرض رسم إغراق وهذا موجود ضمن بنود الاتفاقية وهو ما يسمح لنا بذلك، مطالبًا أن يتم هذا الإجراء لمدة 6 أشهر يتم تجديدها مدد أخرى حتى تصل إلى 3 سنوات وبذلك يتم خفض فاتورة الاستيراد بما لايقل عن 25% في السنة الأولى على الأقل، منوها إلى أن 90% من السلع المتداولة في مصر تستورد من الخارج.

وطالب عضو الجمعية السعودية المصرية، حكومة المهندس إبراهيم محلب، بإصدار قرار أو تعليمات مشددة بمنع استيراد السلع الاستهلاكية الاستفزازية وإلزام الشركات المصرية بتصنيع مثل هذه المنتجات محليا بهدف مكافحة البطالة وتشغيل الملايين من الشباب العاطل عن العمل.

وفي ذات السياق، قال محسن التاجوري، نائب رئيس الشعبة العامة للمستوردين باتحاد الغرف التجارية، إن مصر تستورد عددا كبير من السلع التي لاتمثل أي أهمية لدى المواطن المصري، ما يعتبر استنزافا للاحتياطي النقدي، موضحا أن الاستغناء عن استيراد هذه السلع سيوفر المليارات على الدولة.

التوصيات

– الجانب الاقتصادي يتدخل بصورة مباشرة في المساعدة على استقرار الحكومة وتطورها ويمنحها القدرة على تحقيق الأهداف التي تقربها من الشعب وتجعلها محط ثقته بسبب مضاعفة الموارد وتوظيفها في المجالات التي تحقق رفاهية الشعب وتطوره واستقراره، ويشكل الاكتفاء الذاتي حجر الزاوية في الاقتصاديات القوية.

– على الحكومة العمل من أجل الاكتفاء الذاتي حيث إننا نملك الاراضى الزراعية والمعادن النادرة ولدينا الايدى العاملة والعقول المفكرة المبدعة ولدينا من المقومات ما يدعمنا للاكتفاء الذاتي، فهناك خطة استراتيجية طموحة تنتهي في عام 2030، وتهدف للاكتفاء من محاصيل الحبوب الإستراتيجية بشكل عام بنسبة 80% وذلك عن طريق تحديث الزراعة.

– ضخ المزيد من الاستثمارات في قطاع الزراعة بمصر.

– تفعيل قانون تفضيل المنتج المصري في العقود الحكومية؛ وذلك لما فيه من مكاسب كبيرة تعود على تنمية وتطوير الصناعات والمشروعات الصغيرة والمتوسطة، وسيزيد من حجم المنتجات المصرية المصدرة للخارج، وسيخدم الصناعات المصرية لتستطيع الوقوف أمام نظيرتها المستوردة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

اقتصاد, مصر
عرض التعليقات
تحميل المزيد