1. الاحتيال الثاني “سيادة المنتِج”

لقد خدمت إعادة تسمية الاقتصاد من “النظام الرأسمالي” إلى “نظام السوق” تأكيد الجزم بسيادة المستهلك، ففي التعاليم الاقتصادية التقليدية في الماضي كان السوق يخضع لسيادة المستهلك أي إقرار بالسلطة النهائية الاقتصادية الحاكمة للمستهلك، وذلك في تحديد ما يتعين إنتاجه وشراؤه وبيعه، أي أن اختيارات وتوجهات المستهلكين ذوي القوة الشرائية هي التي ستقوم بتخصيص الموارد المتاحة في المجتمع، وتحديد ماذا يُنتَج، واختيار المستهلك هو الذي يحدد شكل منحنى الطلب (الذي يتقاطع مع منحنى العرض لتحديد السعر والكمية)، وبالتالي كان يجب على المنشأة المنتِجة الرأسمالية الخضوع لهذه السلطة والسيادة برحابة صدر.

أما في العالم الواقعي فقد تم خرق مبدأ سيادة المستهلك تماماً:

1 – في العالم الواقعي تقوم المنشأة المنتجة والصانعة بتصميم المنتَج وابتكاره، سواء لسد حاجة موجودة بالفعل أو بخلق حاجة جديدة لدي المستهلكين، وتقوم أيضاً بتحديد سعر المنتَج وترسيخ الطلب عليه وتنميته، وليس ثمة منتِج (مالك لوسائل الإنتاج) يُدخِل منتجاً جديداً إلى السوق دون أن يقوم بتنمية الطلب عليه أو يقوم بالتأثير على الطلب في حالة وجود منتج قائم، هنا يدخل عالم الدعاية وفن البيع والإعلام والترويج والتليفزيون وتصميم المنتج والتنوع فيه وغيرها من مناورات للتأثير على المستهلك لرفع المبيعات.

والإشارة إلى نظام السوق كبديل لطيف للرأسمالية هو قناع مهدئ زائف للحقيقة، لقوة المنتج التي تمتد للتأثير على طلب المستهلك، بل حتى التحكم فيه، غير أن هذا لا يُقال ولا يُركَز عليه في المناقشات والتعليم الاقتصادي المعاصر، فما يُعلّم للنشء هو نظام السوق، وعن نظام السوق يتكلم الزعماء السياسيون والأكاديميون والصحفيون، يتحدثون عن السوق ومدى عفويته، السوق الذي يتفاعل فيه بنقاء وعفوية منحنى الطلب مع منحنى العرض لتحديد السعر والكمية التي سيتم شراؤها وبيعها، وذلك دون الحديث أو الذكر لأي شكل من أشكال التحكم أو الهيمنة على جانب الطلب من طرف جانب العرض (أي جانب المنتجين أو الملّاك).

تماماً كما يحدث من احتيال في الانتخابات السياسة، التي يكون فيها حق الانتخاب في يد المواطن، حيث توجد إدارة رهيبة وجيدة التمويل هدفها إقناع جماهير الناخبين بمرشح أو بحزب معين بغض النظر عن مدى صدق ورغبة المرشح أو الحزب في تحقيق أهداف الناخبين.
وفي سبيل هذا الإقناع تنفق مبالغ هائلة من النقود، وثمة إقناع أكثر تكلفة بكثير وأكثر قدرة بكثير، موجه ليس إلى الناخبين، بل إلى المستهلكين ـ تُحمّل تكلفة الإعلان والترويج والتسويق كلها على سعر المنتَج أي أن المستهلكين هم الذين يتحملون تكاليف إقناعهم لشراء المنتَج ـ هذا الإقناع يأتي من توظيف أعظم المواهب في مجال الموسيقى والمسرح وأعلاها أجراً لكسب تأييد المشترى.

كل هذه المواهب والشخصيات والبرامج التليفزيونية أصبحت أدوات في يد المنتجين مكرسة لتشكيل السوق من خلق وتنمية للطلب، وقد صارت هذه التكلفة المستخدمة في إقناع المشترين تكلفة عادية وملمحاً من ملامح الأعمال.

 
2 – وفي العالم الواقعي أيضاً يوجد “الاحتكار” لسلعة أو لخدمة أساسية أو كمالية، وبالتالي لا يكون ثمة اختيار للمستهلك، فالمحتكر له كل السلطة على عملائه في تحديد كم ينتَج وكم السعر، بل امتدت هذه السلطة إلى العمال الذين أصبحوا ليس أمامهم وظيفة بديلة (في نفس النشاط) في منشأة أخرى وبالتالي أصبح للمحتكر السلطة في تحديد سعر عنصر العمل أي الأجر.

إن مفهوم “سيادة المستهلك” لازال يُجهَر به في التعليم الاقتصادي وفي الدفاع عن النظام الاقتصادي (النظام الرأسمالي أو نظام السوق)، ومصطلح “رأسمالية الاحتكار ” الذي كان شائعاً استخدامه زمناً قد سقط من القاموس الأكاديمي والسياسي.
إن الاعتقاد في اقتصاد السوق الذي يكون فيه المستهلك سيداً هو أحد أهم أشكال الاحتيال.

3. الاحتيال الثالث “قياس التطور والتقدم الاجتماعي”

من المتعارف عليه أننا عندما نريد أن نقيس أو نوصف مدى تقدم دولة أو مقارنة تقدمها بتقدم دولة أخرى، سواء كنا في مناقشة أكاديمية أو في حوار عام، فإننا نلجأ إلى مقياس قيمة الناتج المحلي الإجمالي GDP (وهو القيمة المضافة من سلع وخدمات والتي خلقها مجتمع ما في فترة زمنية معينة عادة سنة Gross Domestic Production )، ومن هذا المعيار يأتي واحد من أعظم أشكال الاحتيال شيوعاً على المستوى الاجتماعي!

فكما تم تسويق توجهات المنتجين على أنها توجهات واختيارات المستهلكين النقية، فقد تم تسويق “قيمة الناتج المحلي الإجمالي” على أنها هي المعيار الأوحد والأهم لقياس مدى تطور وتقدم المجتمع داخل كل دولة، وهي معيار المقارنة بين كل دولة وأخرى من حيث مدى التقدم الاقتصادي والاجتماعي، وأصبح معدل النمو السنوي في قيمة هذا الناتج هو معيار الأداء الاجتماعي السنوي الأفضل.
وبالتالي أصبح إنتاج السيارات بما في ذلك سيارات المتعة الضخمة الباهظة الثمن هو المقياس الحديث للإنجاز والتقدم والنمو الاقتصادي الاجتماعي، في حين لا يتم إعطاء أي وزن ولا مكان لكيفية توزيع هذا الناتج داخل المجتمع وما من الممكن أن يشمله من استغلال وظلم وإفقار، فلا مكان لمستويات الأجور أو معدلات الفقر أو لمدى اتساع فجوة توزيع هذا الناتج داخل المجتمع، ولا مكان لمعدلات البطالة، ولا مكان لمعدلات الأمية ومعدلات مستويات التعليم في الشرائح العمرية المختلفة، ولا مكان لمؤشرات الرعاية الصحية وجودة وإتاحة الخدمة لكل المواطنين، ولا مكان للأدب أو الفنون أو الثقافة أو لحقوق الإنسان، فلا مكان لحرية الفكر والتعبير ولا الحريات السياسية وحرية التنظيم، ولا مكان لمقياس مدى تمكين المواطنين من المشاركة في القرارات السياسية.

 

 
وبالتأمل في الماضي، سنجد أن أحسن ما في الماضي الإنساني يكمن في المنجزات الفنية والأدبية والعلمية مثل عمالقة الإبداع المعماري في البندقية ووليم شكسبير وتشارلز داروين في إنجلترا، كل هؤلاء جاءوا من مجتمعات كانت ذات ناتج محلي إجمالي منخفض جداً، وكان حظهم الطيب أنهم كانوا أحراراً من قيود فن البيع من تحويل كل شيء إلى سلعة وإدارة سلوك الجمهور، واليوم في عصر العلم والمعرفة والتعليم والثقافة والفن أصبحت معايير الإنجاز الإنساني هي الناتج فقط من السلع والخدمات.

4. الاحتيال الرابع “عالم العمل الخادع”

يمثل العمل تجربة مختلفة، بل تجربة متناقضة تماماً بالنسبة للناس المختلفين، فكثير من الناس يُجبرون على العمل بفعل الضغوط الأساسية للحياة وسوء الظروف الاقتصادية حولهم، وهؤلاء كثيراً ما يكون عملهم شاقاً ومؤلماً ومضنياً ورتيباً يقوم على الجهد البدني دونما تحد ذهني، ولكنهم يتحملون ذلك في سبيل الحصول على ضروريات الحياة (لهم ولأسرهم) وبعض مباهجها وذلك عندما تنتهي ساعات العمل أو أسبوعه ويتحررون من إرهاق الآلة ومن مكان العمل ومن السلطة الإدارية.

وفي مقابل هذا الكدح المؤلم المهلك يحصلون على أجور منخفضة مجحفة، في حين يمثل العمل للبعض الآخر من الناس ابتهاجا واستمتاعا وشعورا بالأهمية الشخصية وتفوق وامتلاك سلطة على الآخرين، هؤلاء يظفرون بأعظم الأجور كلهم بلا استثناء.

وهنا يكمن التناقض، فكلمة “عمل” تعني بالتساوي معنيين متناقضين تماماً، تعني أولئك الذين يكون العمل بالنسبة لهم استمتاعاً وابتهاجاً جلياً دون الإحساس بأي إجبار، وفي المقابل يحصلون على أعلى الأجور والمكافآت والمزايا العينية، وتعني أولئك الذين يكدحون ويُرهقون ويسأمون ويضجرون ويأخذون أجوراً مجحفة.

وكثيراً ما يتم الخلط بين هذين المعنيين المتناقضين فيما يسمى “متعة الكدح”، هذه الفكرة التي انتقدها وشكك فيها الاقتصادي البريطاني “جون مينارد كينز”، عندما أورد في أحد كتاباته – ملقياً بالشكوك على فكرة “متعة الكدح” – كلمات لخادمة عجوز تحررت لتوها من ساعات عمل الحياة، كلمات حُفظَت بشاهد على قبرها:

لا تحزنوا من أجلي يا أصدقاء
لا تدمعوا علىّ أبداً
لأني ذاهبة لكي لا أعمل شيئاً
أبداً، وإلى الأبد

وفي عام 1899م ظهر كتاب “نظرية الطبقة المرفهة” لـ”ثورتشين فبلن”، وفقاً لـ”فبلن” تعتبر النجاة من العمل من قبل ذوي اليسر أمراً عادياً وبالتأكيد بالنسبة لزوجاتهم وعائلاتهم، في حين أن العمل شيء أساسي بالنسبة للفقراء، وذلك على المستوى الأخلاقي والفكري، قبل أن يكون شيئا أساسيا على المستوى الاقتصادي، فحتى الآن في الولايات المتحدة وفي الدول المتقدمة أكثر الأفراد تعرضاً وإثارة للنقد هم أولئك الذين يتهربون من الاضطرار للعمل (العاطلين)، حيث يوصف العاطل بأنه كسول وغير مسئول وغير صالح ويمثل عبئاً على من حوله، ويصبح هذا النقد وهذه الإدانة أكثر قسوة عندما يكون البديل عن العمل هو الدعم العام (إعانة البطالة)، وبناء عليه فبينما التعطل نعمة للطبقة المرفهة، فإنه مدان عموماً بالنسبة للفقراء.

 
ويدل كل ما سبق ذكره على مدى عمق الاحتيال الذي ينطوي عليه لفظ “العمل” على مستوى من يعمل ومن لا يعمل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

اقتصاد
عرض التعليقات
تحميل المزيد