5. الاحتيال الخامس “الكوربوريشن كبيروقراطية”

 

 

تدين إدارة الكوربوريشن الحديثة كلمة “البيروقراطية”، باعتبار أن هذه الصفة لا تنطبق على إدارة الكوربوريشن، بل تنطبق على الحكومة فقط، وذلك لما تمثله صفة “البيروقراطية” من معان سلبية تتجلى في التنظيم الحكومي، بشكل رئيس في السلطة الغير رسمية التي يحظى بها المديرون المرتبط عملهم بشكل دائم بفنيات الإنتاج، وتتجلى أيضاً في الإفراط في الهيكل الوظيفي وفي السلوك الوظيفي البطيء.

أما على مستوى الواقع فنجد أن وهم “الفصل التام بين طريقة إدارة الكوربوريشن من ناحية والبيروقراطية من الناحية الأخرى” هو أعظم أشكال الاحتيال حنكة، فبعد أن أصبحت الكوربوريشن الكبيرة هي الحلقة المركزية للاقتصاد الحديث، تعيّن أن تذهب السلطة والمسئولية إلى أولئك المؤهَلين معرفياً والنشطاء عملياً ذوي الحوافز الكافية لاستمرار المشروع وتحقيقه لأرباح باستمرار، أي المديرين المرتبط عملهم بشكل دائم بفنيات الإنتاج Technostructure ، وألا تذهب إلى الملّاك أو حملة الأسهم؛ فهم ليس لديهم معرفة تقنية بالإنتاج، وليس لديهم حوافز كافية لاستمرار الشركة وبقائها، حيث يتلخّص كل همهم في الحصول على أقصى ربح ممكن في أقل زمن، وهكذا تطور تسيُّد الإدارة الكوربورتية، وأصبحت بيروقراطية الكوربورتية أي سلطة المديرين Technostructure بدلاً من سلطة حملة الأسهم.

وقامت البيروقراطية الكوربورتية بإسناد دور شكلي إلى الملّاك أو حملة الأسهم، حيث يتم دعوة المساهمين كل سنة إلى جلسة سنوية تشبه الاحتفال أو أحد الطقوس الدينية، يتاح لهم فيها معلومات عن الأداء والإيرادات والنوايا الإدارية، وتقوم الإدارة الكوربورتية باختيار مجلس إدارة خاضع لها بالكامل، إلا أنه يُسوّق على أنه صوت المساهمين.

وهذا المجلس لا يحتاج سوى معرفة عابرة عن المشروع وبشكل روتيني يحاط أعضاء هذا المجلس علماً بالقرارات والسياسات ـ مع منح المجلس غذاء وبدل حضور ـ وتقوم الإدارة البيروقراطية الكوربورتية بتحديد مكافآتها وحوافزها مع الموافقة الروتينية من مجلس الإدارة، والأمثلة كثيرة على هذا، فمثلاً في ربيع 2001م خلال فترة ضعف البورصة الأمريكية نشرت نيويورك تايمز عن مفارقة بين الأسعار المنخفضة في البورصة ومكافآت المديرين المرتفعة، ونشرت مجلة فورتشن عن مكافآت ضخمة للإدارة بالرغم من تناقص المبيعات والإيرادات.

أضف إلى ذلك أنه لدى الكوربوريشن ميلا قويا للتوسع الذاتي، حيث إن المقابل أو الأجر يتحدد إلى حد كبير بعدد المرءوسين، وأيضاً فالترقية إلى أعلى تمنح وفقاً لعدد المرءوسين أسفل، وبالتالي يصبح هناك قدراً من التوسع قوياً جداً بغض النظر عن الاحتياج الفعلي، وبالتالي يصبح هناك قدراً من الإفراط الوظيفي لدرجة تحتاج إلى تدخل جراحي أو ما يسمى تقليل الحجم Downsizing .

لقد أصبحت السلطة في الكوربوريشن في يد الإدارة أي لدى بيروقراطية بكل ما تحمله هذه الكلمة من معان، هذه البيروقراطية تتحكم في مهماتها وفي مكافآتها وتعويضاتها.

 

 

6. الاحتيال السادس “خرافة القطاعين”

 

 

في الولايات المتحدة الأمريكية وفي الدول الأخرى ذات الناتج المحلي الإجمالي GDP مرتفع القيمة، ليس ثمة مرجعية لها من الشيوع والقبول مثل تلك المتعلقة بـ “النظام الاقتصادي السياسي المُكوَّن من قطاعين”، فثمة قطاع خاص ممثِل للرأسمالية والملكية الفردية والحافز والتوجه الربحي، وثمة قطاع عام ممثَل في الحكومة كنائب عن الشعب في الإدارة وبالتالي اختيار وتحديد السياسات الاقتصادية والتدخل في النشاط الاقتصادي وتحديد أوجه الإنفاق العام ومصادر الإيرادات السيادية اللازمة لمواجهة هذا الإنفاق وكل هذا بما يصب في المصلحة العامة وتنمية المجتمع.

وحول دور هذين القطاعين يدور جدل كثيف، فمثلاُ هل ينبغي أن تُخَصخًص أنشطة حكومية؟ وهل ينبغي أن يكون لدينا خدمات ممولة من الموازنة العامة مثل الرعاية الصحية وتكلفة التعليم ودعم الفقراء والمتقاعدين؟ بينما في كل هذا الجدل والتساؤلات المثارة الغائب الوحيد هو الواقع.

أما في الواقع العملي فليس للتمييز المسلم به بين القطاعيين العام والخاص معنى، فجزء كبير وحيوي وآخذ في التوسع مما يسمى القطاع العام ينتمي إلى القطاع الخاص، وأهم مثال على ذلك أنه في الولايات المتحدة لا يحدث الإنفاق على الأسلحة من جانب الحكومة بعد تحليل موضوعي كما هو شائع، بل إن كثيراً من هذا الإنفاق يحدث ويستمر بنفوذ صناع السلاح (أي القطاع الخاص)، وذلك نتيجة ترابط وتشابك مصالحهم الاقتصادية والسياسية مع السياسيين المتحكمين والمؤثرين في القرار السياسي.

ففي الولايات المتحدة في العام المالي 2003م استُخدم ما يقرب من نصف إجمالي الإنفاق الحكومي المحدد باختيار الحكومة ـ خلاف الإنفاق الحتمي لاستخدام معين مثل الضمان الاجتماعي أو خدمة الدين العام ـ لأغراض عسكرية أو للدفاع كما يشيع القول، وجزء كبير من هذا الإنفاق على الأغراض العسكرية يتعلق بالحصول على أسلحة أو لابتكار الأسلحة وتطويرها.

وحيث إن ثمن الغواصات ذات الطاقة النووية يصل إلى مليارات الدولارات، والطائرات تصل الواحدة منها إلى عشرات الملايين من الدولارات، وبالمثل المعدات العسكرية الأخرى، مما يعني أرباحا ضخمة، وكل هذه الأرباح تصب في مصلحة هؤلاء الصنّاع وشركائهم السياسيين، ويذهب هذا الترابط في المصالح الاقتصادية بين صناع السلاح والمتحكمين في القرار السياسي إلى السياسة الخارجية والقوات العسكرية، والمقصود هنا قرارات الحرب، مثل الحرب على فيتنام والعراق، حتى تُستهلك هذه الأسلحة ويستمر الإنتاج والأرباح وتدوير رأس المال الصناعي العسكري.

وفي السنين الحديثة أصبح اقتحام ما عرف بالقطاع العام المزعوم من قبل القطاع الخاص شيئاً مألوفاً، وبعد أن أصبح للإدارة السلطة الكاملة في الكوربوريشن الحديثة كان من الطبيعي أن يمتد دورها إلى السياسة وإلى الحكومة فنشاهد تحالف وثيق بين إداريي الكوربورتية مع الرئيس ونائب الرئيس ووزير الدفاع، وأصبحت الشخصيات الكوربورتية المهمة تحتل أيضاً المراكز الرفيعة في الحكومة الفدرالية الأمريكية.

وأصبح جلياً أن القطاع الخاص يلعب دوراً مهيمن بالقطاع العام، بل أن القطاعين أصبحا قطاعاً واحداً، وكبرهان ساطع على ذلك هو ما نشرته نيويورك تايمز 13/10/2002 عن مشروعات خاصة تقترب أكثر وأكثر من ميدان المعركة الحربية الفعلية “توفر الكوربوريشنات إحلالاً بجنود ميدانيين في كل شيء من دعم الإمدادات إلى التدريب على المعارك، وتساعد بعض الشركات في إجراء مناورات تدريبية باستخدام الذخيرة الحية للجنود الأمريكيين في الكويت تحت الاسم الكودي ربيع الصحراء.

لدى شركات أخرى موظفون ارتدوا أزياءهم العسكرية القديمة للعمل بالتعاقد مع مجندين أو للعمل معلمين في دورات إعادة تأهيل إجبارية في اختيار الجيل الثاني من الجنود وتدريبهم”، ومن ثم فالتمييز الشائع بين القطاعين ليس له وجود، إنما هو احتيال.

إن الاستحواذ الكوربورتي (القطاع الخاص) على السلطة العامة أمر خطير في علاقته بالسياسة الخارجية والعسكرية؛ لأن التوجه الرئيس لهذه المؤسسات هو المصلحة الخاصة، وما يتبعها من توسيع ضخم للمشروعات، وفرض السيطرة على الموارد المادية والبشرية على أوسع نطاق لضمان استمرارية وتَعظّم الأرباح، وفي سبيل ذلك تغذي هذه المؤسسات التزوّد بالأسلحة واستخدامها وتدعم نشوب الحروب، إن هذا الاستحواذ الكوربورتي يمثل تهديدا عسكريا لمجمل الحياة البشرية على كوكب الأرض.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أفكار, اقتصاد

المصادر

1 الكوربوريشنCorporation هي: شركة مساهمة ذات مستوى كبير ومتطور من الحجم والنضج والتعقد والهيكل الإداري.
عرض التعليقات
تحميل المزيد