في ظل انشغال الولايات المتحدة وإيران بمشكلاتهما الداخلية، وعلى رأسها الفيروس التاجي الذي ضرب كلا الدولتين بقوة، أتت حكومة مصطفى الكاظمي لتكون استمرارًا لشكل الحكومات السابقة، حكومات الحصص الطائفية والعرقية، مع الحفاظ على نهج مستحدث من النخبة الحاكمة في اختيار رئيس حكومة غير منتمٍ لحزب أو كتلة ليسهل التحكم في تصرفاته، ولتكون رئاسة الوزراء من ناحية عملية موزعة بين الأحزاب الكبيرة القابضة على السلطة منذ سنوات.

وعلى الرغم من محاولات رئيس الوزراء الجديد الظهور بمظهر القوي المستقل واتخاذه بعض القرارات الجريئة، التي لا تمس مصالح الأحزاب الحاكمة فعليًّا، فإنه سيصطدم عاجلًا أو آجلًا، في حالة وجود إرادة مبيتة للتغيير، بتلك الأحزاب الكبيرة عند محاولة إصدار قرارات تمس امتيازاتهم المحصنة عرفيًّا في الحكومات المتعاقبة.

وفي هذه الأثناء فإن المتظاهرين بانتظار المزيد منه، بعد قراره بإطلاق سراح المعتقلين في الاحتجاجات المستمرة منذ تشرين الأول 2019، وأبرز مطالبهم محاكمة المسؤولين عن مقتل ما يقرب من ألف متظاهر وعشرات الآلاف من المصابين في تلك المظاهرات.

الزيارات الميدانية التي قام بها الكاظمي، لقوات مكافحة الإرهاب، المشكلة والمسلحة بواسطة الولايات المتحدة. ومن ثم زيارة هيئة الحشد الشعبي، غالبية قواتها مدعومة إيرانيًّا، تعطي انطباعًا بأن رئيس الوزراء سيحافظ على سياسة الموازنة بين تجاذبات القوى الداخلية محليًّا. والموازنة بين الولايات المتحدة وإيران على الصعيد الدولي، ولن يأتي بتغيير سياسي نوعي.

قالت صحيفة واشنطن بوست بتاريخ 10 أبريل (نيسان): «إن مسؤولين عراقيين مطلعين على صفقات الغرف الخلفية التي أدت إلى ترشيح الكاظمي، تحدثوا بشرط عدم الكشف عن هويتهم بسبب حساسية الموقف، قالوا إنه وافق على عدم التدخل في شؤون ميليشيات البلاد، التي يرتبط بعضها بإيران، مقابل دعم الكتل السياسية الشيعية التي أعاقت ترشيح اثنين من رؤساء الوزراء السابقين. وقال مسؤول عراقي مطلع على موقف الميليشيات إن الكاظمي حصل على قبول جزئي؛ لأنه يُنظر إليه على أنه شخص يمكنه إقناع واشنطن بمواصلة استثناء العراق من العقوبات الأمريكية على إيران؛ حيث إن انهيار أسعار النفط العالمية يقلل من قدرة الدولة على تمويل نفسها».

من المؤكد أن المصالح الإيرانية ستكون حاضرة بقوة في المفاوضات المقررة في شهر حزيران بين الولايات المتحدة والعراق بشكل قد يتغلب على مصالح العراق نفسه. وقد لا يمر وقت طويل حتى تشعر الولايات المتحدة بخيبة أمل، مرة أخرى، تجاه الحكومة العراقية الجديدة، فقد سبق وعبرت عن ذلك على لسان مسؤول في وزارة الخارجية الأمريكية، في شهر مارس (آذار) الماضي، بعد أن تعرضت القواعد الأمريكية لهجمات صاروخية متكررة، قال لوكالة رويترز «إن الولايات المتحدة تشعر بخيبة أمل شديدة، بسبب عدم حماية المصالح الأمريكية في العراق على الرغم من تعهد بغداد بمحاسبة المسؤولين عن الهجوم الصاروخي». ومع ذلك، سارعت الولايات المتحدة ودول عديدة غربية وعربية لتهنئة مصطفى الكاظمي بتوليه رئاسة الحكومة مع وعود سخية بدعم دولي واسع للنهوض بواقع العراق.

على الصعيد الاقتصادي قد تكون جولة وزير المالية محمد علاوي التي بدأها مؤخرًا، لطلب الدعم المالي والاستثماري للعراق، إشارة إلى تعامل أكثر واقعية وجدية لمواجهة الأزمة المالية الحادة التي تضرب البلاد نتيجة انخفاض أسعار النفط، وهي خطوة من الممكن أن تسحب العراق ولو جزئيًّا من الساحة الإيرانية نحو العمق العربي.

إن حكومة الكاظمي تمثل نقطة مفصلية تاريخية بين عراق حليف، حسب رؤية الإدارة الأمريكية، وبين عراق يمكن تصنيفه في خانة الأعداء، وما سيترتب على ذلك من تداعيات كارثية لا يقوى العراق على تحملها.

ثمة تحديات كبيرة جدًا بمواجهة الحكومة العراقية الجديدة، صحية ومالية وسياسية، والأيام القليلة القادمة كفيلة برسم صورة واضحة لحقيقة قدرة مصطفى الكاظمي على قيادة بلد يترنح على حافة الهاوية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الهاوية, حافة

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد