كانت تحدّثني عن فكرتها بكتابة مقال جريء تشرح فيه شيئًا من أمراض المجتمع فيما ترى وتدعو إلى علاجه، وطالبتني أن أكتبه أنا، سألتها: ولِم لا تكتبينه أنتِ فقلمكِ -فيما أذكر- سيّال مبدع؟! ردّت بعد تنهيدة حسرة: كان، كان سيّالًا مبدعًا قبل أن تجري عليه قوانينهم وممنوعاتهم وقائمة «لا-ءاتهم» الطويلة، فجفّ وأضمر!

فهمت أن «هم» تعود على أفرادٍ من أسرتها وعشيرتها وبيئتها، الذين لا يريدونها أن تكتب. يخافون ألسنة الناس إن هي كتبت في عيوب وتناقضات المجتمع، يخافون زوار الأمن إن هي كتبت في السياسة، يخافون كشف أسرارهم إن هي كتبتْ شيئًا من يومياتٍ أو مذكرات، ويخافون زلّات قلمها إن هي كتبت فيما لا يسيغون ولا يقبلون!

وكم في الناس -ذكورًا وإناثًا- من أشباه هذي الصديقة أقلامهم حبيسة أو مكمّمة أو مكسورة، بقوانين بشرية لم يأمر بها دين ولا شرع ولا منطق، ولو ترِكَ لها العَنان لحلّقتْ في سماء الإبداع وأتتْ بفرائد نجوم النصوص مضمونًا وأسلوبًا! كم من قلمٍ قابعٍ في غياهب زنازين القمع والـ«لا»، وما صدرت هذه الـ«لا» إلا من حمقى البشر وطغاتهم! وكم من قلمٍ مكسور الجناح، متعرّج الخط، مسلوب الحبر، لكثرة ما وقف له في طريقه من قطّاع الطرق وبلطجيّة الحروف!

بودّي لو أقود ثورةً لتحرير كل هذي الأقلام من سجّانيها، وأفكّ قيودهم الثقيلة، وأطلق سراحهم ليتنفّسوا نسيم الحرية، ويحلّقوا في سماء الإبداع، ويغوصوا في كل بحار المواضيع ليأتوا بالدرر، وينبّهوا الناس إن كان ثمّة عِلل فيشخّصوا الداء ويصفوا الدواء.

وهنا -وكما كل حرية يحصل عليها البشر- يقفز بعضهم على الحرية فيستبيحونها بلا ضوابط ولا مسؤولية، فيقع القلم ضحيّةً بين الطرفين المتطرّفَيْن في تضادّهما: قامع بلا حرية ومتسيّب بلا ضوابط!

يأتي هؤلاء المستبيحون لحِمى الحرية بالغريب العجيب -وربما البالي- من الأفكار والرؤى، يلتقطونه من قاع الوحل الذي حسبوه نهرًا عذبًا، أو يشترونه من تجّار الأفكار المغشوشة المسمومة وهم يحسبونه درًّا غاليًا ذا قيمةٍ ونفع، أو يستوردونه من جيرانٍ غرباء ذوي ثقافة ونمط حياة مختلف، ثم يطرحونه في كتاباتهم ويبثونه في الناس بأقلامهم باسم الحرية!

ويا ويل من يكتب ناصحًا أو ناقدًا أو مناقشًا أفكارهم، إنه حينئذٍ الرجعيّ، الخوّاف، القامع لعبقرياتهم وإبداعهم!
رباه لو يدركون أن ليس ثمّة عبقرية أو إبداع في استئجار ثقافةٍ وأخلاقٍ لا تناسب الناس والبلد، بل تهدم الإنسان ولا تبنيه!

لو يدرون أن تحرير القلم يستلزم أيضًا خلاصه من التبعية العمياء، ومن الغوص في الأوحال، ومن العمى في رؤية الزجاج ألماسًا يَبرق والنحاسَ ذهبًا يلمع!

قد يقول قائلكم إن كلامي ينقض بعضه بعضًا، وما قلته للتوّ يهدم ما حاربته في أول المقال من القمع والمنع لحرية القلم ومعاناته من طول قائمة الـ«لا»! كلا يا سادتي، بل كلامي يضبط آخره أوّلَه ولا ينقضه. أيّ حريةٍ في أيّ مجالٍ تعني بداهةً وجود ضوابط تكبحها كيلا تنقلب إلى انفلات وتسيّب يؤذي الناس أكثر مما ينفعهم، وهذه حرية القلم التي نريد.

الفكرة والفارق بين من يقمع حرية القلم ومن يريدها بضوابط، هو في نوعية هذي الضوابط ومدى منطقيتها، ومن ثمّ في فوائدها وآثارها الإيجابية الحقيقية -لا المتَوهّمَة- بالذات ضابط القِيَم والأخلاق، وبالطّبع ضابط ثوابت الدين.

فرق شاسع بين أن أقمع قلمًا عند مواجهته الظلم والفساد، وأن أضبطه كيلا ينشر أفكارًا هدّامة كتسويغ السرقات، أو أفكار الإرهاب!

فرق شاسع بين قمع الأقلام عند طرح قضايا الدين للسؤال والبحث والنقاش والمناظرات «ديننا وبحمد الله لا يخشى أن يوضع على طاولة البحث والنقاش لأنه يثق أن فيه من العَظمة وأسباب التفوّق ما يدهش كلّ ذي عقل راجحٍ منصف»، وبين ضبط الأقلام عن أن تسيء إلى الدين بازدراءٍ أو افتراءٍ أو سبّ الذات الإلهية!

فرق شاسع بين منع القلم وقمعه وحبسه وجَلْده ووصفه بالخائن العميل الخارج عن إجماع مجتمعه و… و… لمجرد أنه وصف شيئًا من عيوب المجتمع، وحاول كسر أصنام عاداته القميئة، وبين ضبط هذا الكشف بضوابط أدب الكلام والنصح الجميل، وعدم هدم العادات السديدة بحجة هدم كل العادات صالحها وطالحها!

فرق بين منع القلم من كتابة قصص وأشعار غزل وحب عذري عفيف نظيف «وقد لا يكون حبًّا حقيقيًّا إنما يكون رمزيًّا فقط»، ووضع ضوابط للقلم لئلّا ينزلق في وحل الجنس والإباحية!

فرق بين حبس القلم النظيف الراقي والمتمكّن بأفكاره وأساليبه الأدبية وألفاظه وأهدافه و.. في غياهب زنازين الممنوع والخوف مقيّدًا بسلاسل قوائم الـ«لا» و«إياك» و«أحذّرك وأهدّدك» و…

فرق شاسع جدًّا بين هذا ووضع ضوابط للقلم تمنعه من الألفاظ القذرة وإيذاء بصر القارئ وذهنه وذوقه بوصفٍ دقيق لمشاهد قلة الأدب، أو مشاهد العنف، أو تفاصيل خطة المجرم، أو… حتى لو كان قلمًا مبدعًا في الصّنعة الأدبيّة، ففرق بين صناعة الأدب وصناعة قلّة الأدب!

خلاصة مقالتي هذه: الدعوة إلى تحرير القلم من القمع، والأفكار الهادمة، وانحطاط الأخلاق. فينطلق مبدعًا حرًّا، حرية مسؤولة تحرص على ألّا تؤذي غيرها، وإبداعًا يرقى بكينونة الإنسان ولا يبتذلها أو يحطّ منها، وانطلاقة في الطريق الصحيح، وهو بالمناسبة طريق واسع يَسَع الجميع بكل أطيافهم ورؤاهم وزوايا نظرتهم إلى الأمور والأحداث والقضايا، طريق يَسَع الكثير من الأفكار والإبداع، ما دام ضابطها الأخلاق الحسنة والرقيّ بالإنسان فردًا ومجتمعًا، لا هدمه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد