كتب نوبوأكي نوتوهارا في كتابه: العرب من وجهة نظر يابانية، يقول: السجناء السياسيون في البلدان العربية ضحّوا من أجل الشعب، ولكن الشعب نفسه يضحّي بأولئك الأفراد الشجعان، فلم نسمع عن مظاهرة أو إضراب أو احتجاج عام في أي بلد عربي من أجل قضية السجناء السياسيين، إن الناس في الوطن العربي يتصرفون مع قضية السجين السياسي على أنها قضية فردية، وعلى أسرة السجين وحدها أن تواجه أعباءها، إن ذلك من أخطر مظاهر عدم الشعور بالمسؤولية. ا.هـ

والرجل أصاب كبد الحقيقة، فلو نظرنا في كلامه مليًا لألفيناه واقعًا حاصلًا عندنا، فكم من المدونين والناشطين الحقوقين والصحافيين الذين اعتقلوا ولا يزالون يعتقلون إلى اليوم بما يعرف بسجناء الرأي.

إذا أردنا التعريف بقضية معتقلي الرأي قلنا: هم من الأحرار القلائل الذين رفعوا صوتهم عاليًا في مجابهة فساد المسؤولين، لم يُغرهم مال النظام، ولم تُخضعهم عصاه، رفضوا أن يكونوا في صف المهللين والمصفقين للظلمة، اختاروا الطريق الأصعب والمعركة الأخطر، في ظل أنظمة عربية متسلّطة تصادر الكلمة وتقمع الفكرة وتحارب القلم والحرية وتعامل الكاتب والصحافي على أنه مذنب حتى تثبت براءته، والبراءة عندهم المداهنة، وقول نعم، وعدم كشف الفساد للرأي العام، وقول لا.

ذنبهم أنهم برّوا هذا الوطن، إذ حاولوا فيه إصلاحًا، ولكن ذا الوطن عقّهم، هذا الوطن الذي دافعوا عنه فسُجنوا على يديه، وطن رفض أن يضمهم أحرارًا وضمّهم بين حوائط المعاقل، وطن منع عليهم الهمس وأسكنهم الحبس، وطن استقوى عليهم، بدلًا عن أن يستقوي بهم.

كلنا نعلم أن الأنظمة العربية الحاكمة هي أنظمة قمعية، بل هي نفسها تعلم أنها كتلة من الفساد، لذلك تعتبر أية كلمة حق تطالب بالتغيير أو الإصلاح صادرة من أي طرف كان هي تهديد لحكمها وبقائها واستمرارها.

وإذا ما عدنا للمقولة التي اخترتها استهلالًا للموضوع، فإن عتبي اليوم ليس على النظام، بقدر ما هو علينا نحن الشعب، ولن أستثني من ذلك نفسي، فقد دافع الأحرار عن حقوقنا فخذلناهم، تكلموا باسمنا فتواطأنا بسكوتنا مع سجانيهم وسجناهم، ضحوا لأجلنا بقلمهم وحياتهم فنسينا ذلك أو تناسيناه، وصمتنا صمت القبور واعتبرنا قضيتهم قضية شخصية وحدهم وعائلتهم من تقع عليهم تبعيتها، وربما الأكثر شجاعة فينا، والأكثر جرأة منّا، يعبّر عن حزنه فيكتب منشورًا في مواقع التواصل الإجتماعي ويصنع له «هشتاغ».

اسمحوا لي أن أقول إن كل ما يحدث في أوطاننا من قمع للرأي والحريات إنما يحدث بسببنا، بسبب صمتنا وجُبننا وخوفنا وغثائيتنا، فماذا كان يضير تلك الجموع إن خرجت يوم اعتقال أحد النشطاء في مظاهرة سلمية للتأثير في قرار اعتقاله التعسفي؟

أليس في دفاعنا عنهم دفاعًا عنا وعن حريتنا في حقيقة الأمر، فسجين اليوم الذي لم تدافع عن حريته هو شريكك في الزنزانة غدًا، فكيف نُسمى أحرار وقد خذلناهم وخذلنا أنفسنا؟

أقول هذا الكلام في الوقت الذي لا يزال فيه الكثير من النشطاء السياسيين والمدونين والمعارضين والصحافيين ومسجوني الرأي والكلمة يقبعون في معتقلات النظام، فما نحن لحقّهم ولأجلهم فاعلون؟

صحيح أن طريق الحرية طويل، وسُبل الآلام أطول، لكن الأمل لم ينقطع بعدما دامت النساء تُنجب والأحرار يولدون، فلم يُعقر هذا الشعب يومًا.

فلندافع عمّا تبقى من كرامتنا على الأقل حتى نواري ما بدا من سوآتنا بعد أن افتضحت وبانت غوغائيتنا ، وظهر أن أفواهنا مُشرّعة خلف شاشات الحواسيب وأيدينا مُطبقة في الواقع.

إما أن نفعل، وإما أن نعترف اليوم بأننا عاجزون وأننا جبناء، وأننا غثاء كغثاء السيل، ولنرض بما نحن فيه، ولنكفّ عن الحديث عن الحرية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد