انبرى ثُلة من علماء المسلمين، المشهود لهم بحسن السيرة والسريرة، إلى إسداء النصح للسلطان، غير مبالين بـ«إن سمع السلطان وعقل، أو سمع السلطان وعصى، أو مد يده وصافحهم وابتسم لهم، أو ضربهم بالسوط وبالعصا».

ومن بين هذه الثُلة الطاهرة الإمام «أبي الحسن علي بن محمد الماوردي»، المولود في البصرة سنة 374 هجرية، 974 ميلادية، والمتوفى في بغداد سنة 450 هجرية، 1058 ميلادية، والذي ترك 15 مصنفًا، ما بين مخطوط مفقود، وما بين مخطوط موجود، وما بين مخطوط ولم يُطبع.

جمع الماوردي خلاصة علمه وتجربته، في كتاب سماه «نصائح الملوك»؛ طلبًا للأجر من الملوك – كما قال -، ثم اقتناعه بأن الملوك أَولى الناس بأن تُهدى إليهم النصائح، وأحقهم بأن يخولوا بالمواعظ؛ لأن في صلاحهم صلاح للرعية، وفي فسادهم فساد للرعية، والبرية.

يسأل الماوردي في الفصل الأول، لماذا الملوك أولى الناس المواعظ من غيرهم؟

فيجيب بأن قبول النصيحة، وسماع الموعظة فيها خلال عدة:

1- الترفع عن مُشاكلة أهل الغباوة، والجهالة، وسوء النشوء، والعادة.

2- أنهم أكثر الناس انشغالًا، وأعظمهم اشتغالًا، وأبعدهم عن ممارسة أمورهم، وليس كل مستعان به معين.

3- أنهم أقل الناس حظًا من النصحاء المُحضين، والأوداء المشفقين؛ لأن أكثر من يحتوشهم من وزرائهم لا يكلمونهم، إلا بما يوافق أهواءهم.

وبخصوص ما يجب على الملوك أن يأخذوا به أنفسهم من اجتناب الرذائل يقول الماوردي:

1- اجتناب الملك ما يفسد المروءة، والترفع عن الدناءة، والتنزه عن الخسة، والتعالي عما يشين العرض، ويؤذن بخراب المملكة، ويُبقي قبح الأحدوثة، وأن يختار من السُنن أشرفها، ومن الأفعال أسناها.

2- تغليب العقل على الطبع؛ حتى يعوّد نفسه الأمور الفاضلة، ويروضها الرياضة المحمودة، ويكتسب الخلال التي تشاكل حاله، والأفعال التي تشابه مرتبته.

3- ضرورة اختيار المحامد، فيختار الشكر على الكفر، والتدين على التهتك، والعلم على الجهل، والعقل على الحمق، والصدق على الكذب، والكرم على البخل، والحلم على الطيش، والرزانة على الخفة.

وقفزًا إلى الباب السادس، حيث يتحدث الماوردي عن سياسية الخاصة، فيوصي الملك بالعناية في أمر خاصته، ويروضهم على الطاعة، ثم يحدد الخصال التي يستعان بها على ذلك:

1- أن لا يرضى من العامة والخاصة والقاصي والداني إلا ما يرضاه من نفسه.

2- أن يدر عليهم أرزاقهم وجراياتهم.

3- أن لا يقدم أحدًا منهم أو يؤخر أحدًا إلا على استحقاق.

4- أن لا يسوغ لأحد منهم شيئًا من ظلم الرعية، قل أو كثر.

5- أن يستعمل فيهم العفو عن صغائر ذنوبهم.

وفي الباب السابع يتحدث عن سياسة العامة ويُبيّن الخصال التي يستعان بها على ذلك:

1- حماية بيضتهم، وصيانة حوزتهم، ومجاهدة أعدائهم، والباغين عليهم، وكفايتهم ذلك.

2- أن يحكم بينهم في مظالمهم، ودعاويهم، وسماع بيناتهم، وشهاداتهم.

3- أن يعرف طبقات الناس، ومراتبهم من أبناء الملوك، والأشراف، وذوي النسب والحسب.

4- أن يمنع العامة ظلمه، وظلم أصحابه وحاشيته، ويقطع طمعه وأطماعهم، عن أموال المسلمين، وفروجهم، وأبشارهم، وينصف لهم من نفسه.

5- أن يُسهل حجابه، ويلين في الإذن جنابه، ويتقدم إلى حجابه وبوابه؛ أن لا يمنع عنه صاحب خير، ولا متظلم يرد الباب في وقت جلوسه؛ حتى يأذنوا له، أو يرفعوا خبره من غير تأخير.

لم يغب عن بال الماوردي أن يسدي النصح للملوك بخصوص تدبير الأموال، حيث نصح الملك:

1- عدم الطمع في أموال الرعية استنادًا إلى «وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ».

2- لا للتبذير ولا للتقتير «وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا».

3- لا تنقل المال من بلد إلى بلد، إلا بعد استغناء أهله، وتنزاح عنهم عللهم، ويعطي فقراءهم كفايتهم، ويحمل أبناء السبيل منها إلى بيوتهم، وتفك رقابهم التي أُسرت في عدوهم، ويؤدى من ثمارهم.

4- التفضيل والتسوية في العطاء.

حيث إن الرسول – صلى الله عليه وسلم – سن سُّنَّة التفضيل في العطاء مرة، وفي التسوية مرة أخرى على ما أوجبه الحال، والتفضيل وارد في القرءان«وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا».

5- إخراج الأموال إلى أربابها، فلا يضيق صدر الملك عن إخراج هذه الأموال إلى أربابها، والله تعالى يأجره عليها، ويعوضه عنها خيرًا.

في الباب التاسع ينتقل الماوردي للحديث عن تدبر الأعداء وأهل الجنايات:

ففي تدبير أهل الجنايات، يؤكد أن الله قد أباح دماء ثلاثة أصناف، بل أمر بإرهاقها؛ إعزازًا للدين، ونصرة للأنبياء والمرسلين، وأولياءه من المؤمنين، وإرادة منه لحياة العباد، وعمارة البلاد.

1- إباحة دم المشركين: الذين يقاتلون على أصل التدين، والنبوة، والشريعة، وهؤلاء هم الأعداء على الحقيقة، نص الله على قتالهم في كتابه فقال: «وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً».

2- إباحة دم الباغين: الباغون هم الذين يخرجون على المسلمين، والأئمة العادين، ومتغلبين أو متأولين من أهل الملة، أمر الله – عز وجل – بقتالهم، بعد دعوتهم إلى السلم، والفيء، والصلح، وبيان الحق لهم.

3- قُطّاع الطرق وقاطعو السبيل.

وعن خصال السياسة وتدابير المناصرة، يتحدث الماوردي عن عشرة خصال يجب على الملك أن يستعين بها، نذكر منها:

1- عرض السلم على العدو.

2- تقديم الوعيد والإيعاد، والتحذير والإنذار، وإقامة الحجة، وإبلاغ المنذرين.

3- استعمال اليقظة في الحرب، وترك التناوم، والغفلة، والاشتغال بشيء من اللذات، والملاهي، والملاعب، والمطارب، ما لم يفرغ من الحرب، ولا يَرضى؛ حتى يجعل على العدو في كل أحواله عيونًا راقبة، وآذانًا واعية.

4- تعهد أمر العسكر في الحل، والترحال، والنهاض، والإنزال، فلا ينزل عسكره إلا في أحصن المواضع وأرفعها.

5- أن يقايس الملك بينه وبين عدوه، في أربعة أشياء؛ وهي الأمة، والمكان، والعدد، والعدة.

6- الملك أحوج الناس إلى كتمان السر، فإنه لا شيء بلغ في تنفيذ الحيل، وأعون على بلوغ الفرص من كتمان السر.

7- تقديم الحيلة على القوة، فالحرب خدعة كما قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -.

هذه بعض النصائح التي جاءت في كتاب نصائح الملوك للعلامة «أبي الحسن علي بن محمد الماوردي».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد