لا يخفى علينا جميعا أنّ القوانين تؤطّر الجميع والمؤسسات التربويّة عمومًا تنفذ تلك القوانين تماشيًا مع توجّه الدولة سياسيًا أو أيديولوجيًا. لا شكّ أنّه ساد ركود كبير على مستوى تطوير مؤسساتنا التعليمية العربيّة ببصمة خاصّة نابعة من إطارنا التاريخي والحضاري. لكن ما عرفته مجتمعاتنا من تميّز في العالم كلّه بغزارة علمائها وكفاءة أفرادها، رغم ما أصاب المسار التعليمي من تلقين، ومحاولة ترسيخ التبعيّة العمياء، دون تفكّر أو بحث خارج الإطار المذكور، يعتبر بصيص أمل لدراسة الإشكاليّــة بمنظور واقعي بعيدًا عن المبالغة. هناك ميزة لا يتمتّع بها الكثير ألا وهي حبّ المعرفة والاستكشاف الدائم. هذه الرغبة في النفس البشريّة هي التي حرّكت عجلة التطوّر العلمي والفكري الإنساني، وهي أيضًا من جعلت الإنسان المعاصر في رفاهيّة كبيرة. لا شكّ أن التناقض يلعب دورًا كبيرًا في الإنسان المعاصر بسبب ثقافة الاستهلاك، مخاطبة الغرائز، والعولمة التي تهدف إلى جعل كلّ الناس تحت سطوة واحدة. مع الأسف أنّ الميزة التي جعلت في الإنسان لا تجد الأطر المناسبة أحيانًا لتنميتها. فالتشجيع على البحث وإنشاء المكتبات المتنوعة، أمر يحظى باهتمام دول فهمت لعبة الأمم كيف تركّب، وأنّ من يملك العلم ويسعَ للجديد كل يوم فهو سيد الموقف بامتياز.

لعلّ ذكري للمؤسسات التربوية يأتي مباشرة في هذا السياق. ألا وهو ضرورة تربية أبنائها منذ التنشئة الأولى على حبّ الكتاب، وتحصيل الثقافة بتنوع مجالاتها، وإيّاكم وحصر الإنسان في مجال واحد، يجد نفسه متخبطًا فيه. لهذا أرى وجوب هيكلة مؤسساتنا وبالخصوص الجامعة التي تمثّل صرحًا علميًا كبيرًا ودرجة عليا ذات مكانة في قلوب الناس باختلافهم. إنّ الجامعة تكمن عظمتها في منهجية البحث والمجهود الفردي النابع من الإرادة ومحبّة العلم في داخل الإنسان. حيث يمكن القول إنّها تفتح أبوابًا تغلقها المراحل الدراسية التي قبلها. لهذا تحظى بمكانة كبيرة وراقية في العقل والوجدان. يجب الحرص بصفة دائمة على ترسيخ ثقافة الاطلاع على الكثير من المجالات وعدم الاستهانة بالنهج الموسوعي في العلم، خاصّة أنّه يجب الابتعاد عن العوائق التي يضعها الفرد لنفسه أو يضعها الآخرون بحد سواء مثل؛ التفكير المفرط في العمل وربط هذا الأخير بالدراسة الجامعية، وإعطاء أهمية كبرى للنظرة السلبيّة للآخريــن،… يجدر بنا القول إنّ الإنسان مرآة نفسه ولا يحقّ لأحد أن يعرفه أكثر ممّا يعرف ذاته. وكلّ يعرف موطن قوّته وموطن ضعفه.

يجدر القول إنّ التعليم الجامعي يمثّل نقلة نوعيّــة في الحياة الفكريّة للإنسان، حيث يفتح لنا نحن المتعلّمين باب التنوّع الثقافي والفكري، ولما لا النقاشات التي تساهم في بناء الفرد. لكن وجب التنبيه على ضرورة الحفاظ على موروثنا الحضاري، وهيكلته حتّى يخدم واقعنا المعاصر. فالإطار الجغرافي والتاريخي له دور مهمّ في البحوث العلميّة وتجسيد الإبداع في الواقع اليوميّ، حتّى يساهم في تطوير الحياة الاجتماعية والاقتصادية للشعوب العربيّة. أريد أن أنبّه بصفتي طالبًا ما زلت في مدرّجات الجامعــة، أنّ صندوق النّقد الدولي يلعب دورًا مهمًّا عند إسناد القروض لدول العالم الثالث عمومًا، من ناحيـة التدخّل غير المبرّر وغير المنطقي في تجربة مناهج جديدة وطرق تعليميّة، قد لا تتناسب مع واقعنا والإطار الذي نعيش فيــه. رغم أنّي أعيش في أوروبا، إلاّ أنّه لا يعني التمجيد المطلق لما يقومون به من دعم مؤسسة الجامعة والطالب، بل فقط أوافق رأيهم القائم على فتح باب التوسّع لدى الأساتذة في طرح الدروس والاعتماد على البحث الواسع لا الضيّق. إنّ التعليم يجب أن يعود لمجراه الطبيعي المتمثّل في التحصيل العلمي وسيادة معيار الكفاءة لا بأهميّة الشهادة، التي مع الأسف تسبّبت ما يسمّى بالجامعات الخاصّة، أو يمكن أن نطلق عليها الربحيّة في وضع مكانتها أسفل السافلين. كلّ هذا يدخل في إطار العالم المادي الذي طغى على القيم، لكن لا يجب أن يجعلنا هذا باعتبارنا أمّة عربيّة نتبع التقليد الأعمى حتّى في الفشل. بل وجب أن نقوم بإرساء مبدأ التجربــة والمبادرة الفرديّة. يمكن أن ألخّص هذا بالقول بضرورة عودة الذات إلى ذاتها بدراسة النقائص، والعوائق، وعوامل النهوض حتّى نستطيع حينئذ إعطاء الدروس في المبادرة الفرديّة والتحصيل العلمي كما عرفناه في أوجه العصر العبّاسي.

في نهايــة المطاف، يمكن أن أشير إلى أنّ الوضع ليس كارثيًا، كما يبالغ البعض في تصويره في العالم العربي من جهة وليس مثاليّا بإطلاق في العالم الغربي من جهة أخرى. أقول إنّه يجب أن نؤسس نظامًا تعليميًّا عصريًّا ينطلق من ذواتنا بكلّ ما تحمله الكلمة من مبادئ وبيئة وثقافة؛ لأنّ الواقع يؤكّد لنا أنّ استقدام قوالب جاهزة عمّق الأزمة أكثر ولم يساهم في النهوض بالصورة المطلوبة التي تليق بأمّتنا الكبيرة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد