“من بعيد يُصدر الرؤساء والجنرالات أوامرهم بالقتل. هم لا يقاتلون إلا في الشجارات الزوجية. لا يريقون من الدم إلا ما يسببه جرح أثناء الحلاقة. لا يشمون من الغازات إلا ما تنفثه السيارات. لا يغوصون في الوحل مهما هطل المطر في الحديقة. لا يتقيؤون من رائحة الجثث المتعفنة تحت الشمس. وإنما من تسمم ما في الهمبرغر. لا تصم آذانهم الانفجارات التي تمزق بشرًا وتقوض مدنًا, وإنما الأسهم النارية احتفالاً بالانتصار. ولا تعكر أحلامهم عيون ضحاياهم”.

في تلك القطع الأدبية القصيرة يصوغ إدواردوغاليانو (الذي ولد في الأوروغواي عام 1940) تلك الحقائق العارية لهذا العالم الظالم البائس. اختار غاليانو طريقة مميزة للتعبير عن آرائه القوية على هيئة قصص قصيرة هي بمثابة قطع أدبية قليلة الكلمات كبيرة التأثير والأمد. بعضها يكتب عن لحظات لا تستغرق أكثر من عدة ثوانٍ أو دقائق والبعض الآخر يكتب عن أحداث احتاجت لسنوات عديدة لتتكون وتنشأ.

اختار غاليانو تلك القصة التي أسماها (الرحلة) أن تكون من أولى القصص التي ستطالعك عند البدء في قراءة الكتاب وهي التي يحاول فيها أن يقنعنا بأن أكثر ما نحتاجه جميعنا في هذه الحياة هي المشاركة، وقد يقصد بها أن غاية ما نضيع عمرنا في البحث عنه هو العناق في رمز واضح للتواصل الإنساني.

(أوريول فال الذي يتولى العناية بحديثي الولادة في أحد مستشفيات برشلونة، يقول إن أول حركة للكائن البشري هي العناق. فبعد الخروج إلى الدنيا، في بدء أيامهم، يحرك حديثو الولادة أيديهم، كما لو أنهم يبحثون عن أحد.

أطباء آخرون، ممن يتولون رعاية أناس عاشوا طويلًا، يقولون إن المسنين، في آخر أيامهم، يموتون وهم يرغبون في رفع أذرعهم.

هكذا هو الأمر، مهما قلّبنا المسألة، ومهما وضعنا لها من كلمات. ففي هذا، ببساطة، يُختزل كل شيء: بين خفقتين بالأذرع، دون مزيد من التفسيرات، تنقضي رحلة الحياة).

يهاجم السياسات الأمريكية الغاشمة في العراق التي يرى غاليانو أن الولايات المتحدة أوهمت العالم بامتلاك صدام حسين لأسلحة دمار شامل حتى تستطيع مهاجمة العراق.

وينتقد العالم الذي رأى سقوط برجي التجارة العالميين في نيويورك، ولكنه لم يستطع رؤية – أو تناسى متعمدًا – حجم الحفرة التي خلّفها القصف الإسرائيلي لمخيم جنين وهي حفرة بنفس حجم برجي التجارة العالميين اللذين سقطا! وتلك الصورة القصيرة سماها “إعلام العولمة “.

ينقل صورة الطفل محمد أشرف ذلك الطفل الباكستاني الذي يقضي يومه منذ طلوع الشمس إلى أن يطل القمر في قطع وثقب وتركيب كرات القدم المكتوب عليها: “هذه الكرة لم تصنع للأطفال” ولكنه لا يستطيع قراءة تلك الجملة لأنه لا يقرأ الإنجليزية وتلك هي قصة “يد عاملة “.

ثم يحكي عن الكوميديا السوداء للعالم الاستعماري في تلك القصتين “كوميديا القرون الخمسة ” و”كوميديا القرن”، وفي الأولى يشير إلى احتفال (بارتولومي دياس) على سواحل جنوب أفريقيا، وكان من المقرر أن يكون في الاحتفال حشد من الزنوج يمثلون سكان جنوب أفريقيا ولكن دخول الشاطئ الذي شهد الاحتفال كان حكرًا على البيض والذين اضطروا لطلائهم بالأسود ليحلوا محل الزنوج!

وفي الثانية يسخر من فرنسا التي احتفلت بمرور المائة سنة الأولى على إعلان حقوق الإنسان من خلال عرضها لأحد عشر هنديًا – هم هدية من الأرجنتين – في قفص حديدي ويُمنع عنهم الطعام لعدة أيام ويُلقى لهم باللحم النيّئ فيأكلونه وهم يزمجرون جوعًا، ويكتب على قفصهم “أكلة لحوم بشر أمريكيون جنوبيون”!

ينقل غاليانو كل تلك المشاهد جاعلاً منها صوتًا للبشر الحر في مواجهة هذا العالم الظالم، قد تكون كلماته “إننا أحرار, لأن القدر لن يساعدنا إذا لم نساعده” هي أكثر الكلمات التي قد تساعدنا على فهم لماذا كتب غاليانو هذا الكتاب الرائع.

“صناعة التسلية تعيش على سوق العزلة
صناعة العزاء تعيش على سوق الغم
صناعة الأمن تعيش على سوق الخوف
صناعة الكذب تعيش على سوق البلاهة
أين يقيسون هذه النجاحات؟ في البورصة.
وكذلك صناعة الأسلحة. سعر أسهمها هو أفضل خبر في الحروب”.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد