ثمة حاجة – ابتداء- إلى وضع تمييز فارق بين النرجسية الثقافية وبين ما يتقاطع معها في شبهة الدلالة مثل الاعتداد بالنفس، أو الثقة بالنفس التي تعد فضيلة في مضمار الفكر، إذْ أنّ المغامرة والإقدام واقتحام المجاهل والممنوعات ممّا به ينهض حال المعرفة، ويقوي عودها، ويستقيم حالها، أمّا النرجسية التي نودّ الحديث عنها في هذا المقام، تتحدد في علاقة المثقف بالجامعة عمومًا وبزملائه وطلبته خصوصًا، فالنرجسية هنا هي تلك الحالة المرضية التي تفيض فيها النفس عن حدودها الطبيعية أو المحمودة، فتتحول إلى إيمان مطلق بالذات، والرغبة عن الغير، وتصديق كل ما يقوده إليه فكره من نتائج تتحول إلى سلطة عقدية ملزمة في حقل الفكر والإبداع والثقافة.

وتتمظهر النرجسية التي تطال بعض المثقفين -حسب رأينا- والتي أضاعت عليهم امتلاك وعي ذاتي متوازن، وانتماء إيجابي إلى الثقافة والمجتمع في السلوكيات التالية:

مديح الذات في حضرة الآخرين، على سبيل المثال التذكير المستمر بأفكارها وأقوالها في مناسبات ماضية، والاستدعاء المتكرر لها من باب الاحتجاج والاستدلال بها كقوة دامغة! إنَّ هذا المديح الذاتي يتخذ لدى البعض صورة ميْل جارف نحو الإحالة إلى ما يكتبه هو دون سواه، كما أنّ عالم العارفين قد ضاق إلى الحد الذي لم يعد هناك ما يستحق انتباه هذا المثقف إلى ما كتبه آخرون، وقد يتفضلّ ويتنازل، فيُورد ما كتبه عنه مريدوه وأشياعه، أو ما روجوه من أفكار نسبها إلى نفسه، وقد يتجلى هذا المديح في صورة دفاع عقائدي مستميت عن رأيه دون اكثرات بما يَنقصه من أدلة ووقائع تثبت صحة ما يذهب إليه.

ومن أشكال النرجسية الانتباه الزائد إلى ما يُكتب عنه، والعناية به دون سواه، بل نجد بعض المثقفين يعملون على تحويل كل ما كُتب عنهم إلى عالم ثقافي وثوقي يستحق أن يعاش ويُعتقد في صحته دون نقد أو نقاش أو مراجعة، ونجد بعضهم لا يتورع عن حث الناس على الكتابة عنه في المجلات والدوريات، وهذا الطلب ليس للتعريف برأيه ونشره في أواسط القراء، بل لتحقيق الرغبة في الانتشاء باسمه الذائع صيتًا بين الخليقة.

ومن أعراض النرجيسة في الجامعة، الترفع والعجرفة والتجاهل والانكار واحتقار كل ما يصدر عن الآخرين من آراء وأفكار، وهذا العطب إنما هو الوجه الآخر للهيام المرضي بالذات: إذْ هي عنده المرجع الذي لا مرجع سواه، ومخزن المعارف والحقائق الذي لا يصيبه عوز إلى توسل المدد من الغير.

ومن الممارسات النرجسية التي تعكس مرض المثقف هي تحوله إلى دونكيشوت دي لامانشا، خاصة في علاقته مع طلبته في الجامعة، فبدلًا من حرصه على تكوينهم معرفيًا ومنهجيًا، وتوعيتهم بأهمية ممارسة فعليْ التفكير والإبداع، وتنويريهم بما يساعدههم على اكتساب استقلاليتهم وعقلانيتهم النقدية الخاصة، نجد بعض المثقفين لا شغل له إلاّ سرد رحلاتهم وسفرياتهم نحو الخارج، والتبجح المستمر بكتبهم ومقالاتهم وأعمالهم، بل حث الطلبة في الكثير من الأحيان على اقتناء هذه الكتب والعمل عليها في بحوثهم ومذكراتهم، كما أنهم لا يتورعون عن التنويه المستمر بعلاقاتهم التي عقدوها مع بعض الشخصيات في هرم السلطة السياسية، وهذه الرواية الدونكشوتية تتواتر لدى أغلب المثقفين بل نكاد لا نجد إلاّ نسبة قليلة منهم لم تعرف هذه الحالة المرضية طريقها إليهم!

ليست هذه إلاّ عينة من هذه الأمراض، والجامع بينها على اختلافها، أنها تنهض على نبذ صريح للشعور بالحاجة إلى رأي الآخرين، ومن هنا ينكفئ أصحاب هذه الحالات المرضية على أنفسهم، وينسحبون من عالم التخاطب والتواصل والحوار، وعلى ذلك تفضي النرجسية التي أصيب بها بعض المثقفين إلى فقدان أخص خصائص الفكر والثقافة والنقد والحوار، فتدفعه إلى مخاطبة نفسه في حوار داخلي لا ينتهي، يصيبه بفقدان التوازن ويقوده نحو داء العظمة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد