حينما سألت متشرداً.

لقد رأيته نائمًا، حينما هاج بقية شعبه، بعد قول معلقهم الشعبي حفيظ دراجي، «جبتها ف القول يا رياض»، كناية عن الهدف الأسطوري في آخر دقيقة على منتخب منافس، أعلم جيدًا حيل المتشردين في هذه المحافل الشعبية، فهم دائمًا يصطنعون النوم حينما يكون الشعب ناهضًا، ويستيقظ جلهم حينما ينال النوم من أعين من لديهم منزل، كأن الشارع منزلهم الشخصي، الذي يتركونه للضيوف والمارة من الطريق، ويعتزلون فيه وحدهم ليلًا، وهم على قلتهم مشتتون، في كل شارع ركن شخصي بمشرد واحد، يساعدون بعضهم بعضًا ولكن بدون كلمات، وبدون شكر، ببساطة هم معتزلون.

من عادتي أن أسأل الشاذ عن القاعدة، والاستثناء الذي أراه وسط الجموع المتشابهة، وهنا ذهبت إليه جلست بجانبه على التراب الذي يتلحف منه وسادته وغطاءه، وسألته لِمَ لا يشارك الجموع في أفراح الوطن؟ كنت أسأله هذا انطلاقًا من تجربتي الشخصية في العمل مع المتشردين، بدأت محاولة فهمهم منذ طفولتي، حينها كنت صغيرًا حدثني أبي عن أحد المشردين الذي كان دومًا ما يبتسم لأبي فقط، وأبي كذلك لا يفرح إلا عندما يهدي بعض الدريهمات لذلكم المتشرد، كأنهما صديقان، قال لي والدي، إن هذا المشرد الضخم الكبير في السن، كان لا يترك أطفال المنطقة يضربونه حينما كان صغيرًا.

وبعد تلك السنوات اعتدت الجواب المبتذل منهم، مثل جواب أنا لي عالمي الخاص، أو جواب أخاف أن يضربوني لأن رائحتي ليست كما يجب، هاته التبريرات التي أعلم أنها ليست حقيقية، وأداري الطرف عن فضولي وأذهب، ولكن جواب هذا المتشرد هنا قد حيرني.

قال: لست مريضًا مثلهم، كرة القدم هي وسيلة علاجية لتخفيف الغضب، هي تعبير آخر عن حب السيادة والفوز.

لم أدر حينها إن كان يعيد كلامًا مقتبسًا مشهورًا من إحدى الحصص السيكولوجية التي ربما حضرها من قبل، فأردت أن أعلم أكثر عما يقصده، فذهبت لشراء بعض المأكولات، شاركت معه الطعام، وقلت له لا تسألني من أنا، أنا يلقبونني بالنفساني، ولم آت لمعالجتك، جئت فقط لسماعك، ربما أفهم قليلًا من ذاتي المتشردة التي أفقد جزءًا منها كل يوم.

قال: قبل عام خرجت فرحًا بخسارتنا، لوحدي لأننا نتعلم من أخطائنا، فظن باقي الجماعة أني مجنون يستهزئ بهم، يتحدثون كلهم عن الأحداث، ولا تباع أقمصة الفريق في الشارع الموازي، وتقل الصيحات الوطنية من الأطفال، وأحس أن وطني قل الحماس عليه، وأستمع لأحد رواد المقهى يقول سبب خسارتنا اللاعبون، ويضيف آخر، الرطوبة والمناخ، وتنوع السرد في وصف الأحداث، وأراهم يفصلون ذواتهم عن اللاعبين فيقولون «هم»، ولا يستعملون «نحن خسرنا».

والآن ترى المعلق يبدأ بـ«نحن فزنا في مكان المنتخب خسر»، وتبدأ الوطنية التي لا أعلم إن كانت نائمة، أو هي نوع من الاصطناع، عندما كنت صغيرًا أخذت العديد من الشهادات، نعم أنا النائم معك في التراب، وحينما كنت أفوز بشيء، تعلق لي أمي في صالة الضيوف شهادتي، وتقول ابني دكتور، وحينما بدأت في الانحدار، سمعتها إحدى المرات تقول «الفاشل أخذ فشله من أبيه»، هنا وفقط لم أحتمل، فخرجت من منزلنا، ووعدت نفسي ألا أعود لمكان يحبني فيه الجميع حبًّا مشروطًا بسبب.

ذهبت من عنده، خوفًا من أن أصبح مثله؛ لأن لديه كل الحقيقة، وأنا مخطئ في وصفه بالمجنون، إنه العاقل الوحيد في جمهور المجانين.

فتحت الإنترنت ووجدت دراسة تناولت الأمر، وقد عبر عن ذلك البحث السيكولوجي بدقة، هناك فقط علمت أنه يعلم ما يقول إنه يتحدث عن دراسة أجراها العديد من الباحثين في السبعينات تبين أن هناك ميلًا للارتباط بنجاحات من نعرفهم ومن نشجعهم، ويسمى هذا الارتباط بالفرح بالمجد المنعكس، وحينما يفشل من نكون في صفهم أو نشجعهم نميل إلى وصف الأحداث وقول الضمير (هم)، وتسمى هنا بقطع المنعكس الفاشل.

عدت بعد أيام ولم أجده، سألت رواد المقهى عنه فقالوا قد انتحر، لا أدري هل كانت أسئلتي سببًا في فتح شروخ ذاته، ولا أعلم إن كانت هذه القصة حقيقية أم لا، أو ربما هي فعلًا من صنع خيالي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد