المدرس والمعلم والمربي.. ربما لا ترى فرقًا كبيرًا واضحًا بين هذه التسميات الثلاث بينما يتفق المهتمون بالتربية على اختلاف التعريفات والمفاهيم التربوية؛ بسبب شيوع استخدام المفاهيم يوميًّا من ذوي ثقافات مختلفة أو لتداخل وجهات النظر في توضيح المعاني المقصودة من تلك المفاهيم، أو لاختلاف تطبيقها من موقف لآخر وما إلى ذلك من أسباب، وهذا التداخل يؤثر على الممارسات التربوية والتعليمية، لكن خطورة هذا التأثير لم ولن تمنع اختلاف الرؤى.

أتصور أن علينا التفريق بين المدرس ولنسمِّه tutor والمعلم وليكن instructor والمربي educator، علينا أن نفرق بينهم إجرائيًّا ووظيفيًّا وإعطاء كل منهم مهامَّ مختلفة.

■ فالتربية هي عملية تستهدف النمو الشامل والمتكامل لجميع جوانب شخصية الفرد حتى يكون إنسانًا ذا قيمة في المجتمع.

■ والتعليم هو الجزء المقصود من التربية.

■ أما التدريس فهو نظام يهدف لتحقيق نواتج تعليمية يقوم فيه الفرد بإلقاء دروس على عدد من المجتمعين في مكان ما لوقت معين.

باستعراض التعريفات الثلاثة السابقة نكتشف العديد من العلاقات منها :

■ أن للتربية شكلين أحدهما مقصود ويحققه «التعليم النظامي» بالمدارس والجامعات، والآخر تلقائي يساهم فيه كل من الأسرة والشارع والأصدقاء ودور العبادة والإعلام.

أتصور أن هذا التقسيم يخرج معظم مهام التربية من تحت يد المدرسة ووزارة التربية والتعليم؛ فالوزارة ليست مسئولة عن التربية ككل، لذا فهي ليست وزارة تربية؛ لأنها ببساطة لا تتحكم في قوانين ومؤسسات «التربية التلقائية»، أي إن مهنة التربية ليست حصرية على وزارة التعليم، بل تشاركها على سبيل المثال وزارات كالإعلام والثقافة والشباب والرياضة والعديد من الجهات غير الرسمية، وهذا يخرج مهمة تربية المجتمع من اختصاصات الوزارة، المجتمع بما فيه الأطفال خاصة وأنه لا يوجد تعاون واضح بين تلك الجهات.

■ أما التدريس فإذا كان ما هو إلا أحد تطبيقات عملية التعليم، ومن يقم به فهو مدرس. فلمَ إذًا أشعر بأنهم يعدوننا في كلية التربية لنصبح مدرسين وليس معلمين!

لتوضيح فكرتي فأنا أعتقد أن لدينا ثلاث وظائف مختلفة هي مخرجات طالب كلية التربية، ولكل وظيفة منهم مهامها المتوقعة ليمكننا إطلاق اسم كلية التربية عليها واسم وزارة التربية والتعليم على الوزارة المختصة بهما، وأتمنى ألا نخلط بين الوظائف الثلاث ومهام كل وظيفة منهم.

■ الأولى هي وظيفة «المربي» وهو فرد يُعهد إليه بتقديم كل الرعاية والخدمات اللازمة لتنشئة أفراد طوال الأوقات. وعليه أن يتحلى بخصائص وجدانية وخصائص عقلية متفتحة تقوم على معرفة بعوامل تكوين وبناء شخصية الأطفال، وأن يتمتع بنظرة مستقبلية للتكيف مع المتغيرات. على أنني أحاول إعطاءه مساحة غير محدودة ليشمل دوره تربية الأطفال والمراهقين والكبار.

■ والثانية هي وظيفة «المعلم» ويقوم بدوره من خلال مؤسسات التربية المقصودة (المدارس والجامعات)، تواجده لا يقتصر على إعطاء الدرس بل يكون تفاعليًا فيه كل شيء يخص الطالب وتطوره، وهو المربي الرسمي الثاني بعد الوالدين.

■ والثالثة هي وظيفة «المدرس» وهو فرد يقوم بإلقاء دروس على عدد من المجتمعين في مكان ما (غالبًا الفصل والمعمل والورشة) لوقت معين.

نلاحظ أن التربية مهمة أكبر من أن تصبح حكرًا على وزارة واحدة، وأن وظيفتي المعلم والمدرس يرتبطان بالعمل في ساحة التعليم المدرسي والجامعي بنسبة كبيرة جدًا، وأن المعلم أوسع في مفهومه وأشمل من المدرس؛ لأن المدرس يقتصر على تدريس منهج دراسي معين بطريقة ما، فالتدريس أحد مهام المعلم وليس كلها.

لكن، عند استعراض واقعنا نجد أن :

التربية = التدريس = التعليم ولا تفرقة حقيقية بينهم، وهذه هي العقيدة التي يتم إعداد وتخريج طلاب كليات التربية بها. هذا يؤثر على الأدوار المتوقعة من كل منهم ويضيقها، ويجعل الجميع مدرسين ليس معلمين، فضلًا عن كونهم تربويين وهي المهمة الأعظم، والتي لا تستطيع وزارة واحدة الاستحواذ عليها.

في كتابه «مستقبل الثقافة في مصر» قال طه حسين إن مهمة الوزير إدارة الوزارة وليس إدارة التعليم. فمن يدير عملية التعليم إذًا؟ من يقوم بمهام التربية والتعليم في بلادنا؟ إذا كانت هي نفسها الوزارة من تفعل فهذا نوع من القصور الذي جعل التدريس وبالتالي التعليم والتربية مهنة مَنْ لا مهنة له بالفعل. إلى هنا أتمنى أن أكون تمكنت من توضيح الفكرة، وربما يفتح ذلك مجالًا في مرة قادمة للحديث عن بعض المهام المتوقعة لكل من المدرس والمعلم والمربي.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد