في واحدة من أفضل الإنتاجات الفكرية بالمغرب، أصدر المفكر المغربي حسن أوريد سنة 2018 كتابًا عنوانه «من أجل ثورة ثقافية بالمغرب».

سأحاول في أجزاء متفرقة في هذا الفضاء التعبيري، الوقوف عند أبرز مضامين وأفكار هذا الإنتاج الفكري المميز، الذي وجب في نظري أن يبقى مرجعًا تنظيريًّا يضاف إلى إسهامات نجوم تركوا بصماتهم في الساحة الفكرية المغربية، مثل الأستاذ عبد الله العروي صاحب «أزمة العقل العربي»، أو محمد عابد الجابري، رحمه الله، صاحب «إضاءات في إشكالية التعليم بالمغرب».

يرى الأستاذ أوريد أن أي نهضة حقيقية لا يمكن أن تتحقق بلا إصلاح تربوي جذري، وهو ما يسميه ثورة ثقافية، أي إصلاحًا يروم بناء الإنسان من خلال إكسابه بنية ذهنية عصرية تقوم على إعلاء قيم الحرية والعدالة والعقل، والثورة الثقافية تستلزم طموحًا نخبويًّا جماعيًّا ترعاه الدولة التي هي أساس هذا الإصلاح.
وبخصوص المحاولات الإصلاحية التي عرفها المغرب منذ الاستقلال، يعتقد الأستاذ أوريد أنها كانت تأتي دومًا استجابة لعوامل وسياقات اقتصادية خارجية، ولم تنطلق يومًا من مقومات داخلية، ولم تنبع يومًا من طموح جماعي.
ويرى الكاتب أن الإصلاح يحتاج إلى نخب وكفاءات وقيادات تنجبها مدرستنا، والحال أن مدرستنا عاجزة عن إنتاج نخب؛ فالنخبة السياسية التي تعاقبت على تسيير وتدبير الشأن السياسي بالمغرب، واقتربت من دوائر القرار، غالبيتها من خريجي مدارس الهندسة والتجارة في فرنسا، فهل يليق الحديث عن إصلاح التربية في المغرب والمدرسة المغربية غير قادرة على إنتاج صفوة حقيقية، تفهم حاجة العامة وتسعى إلى خدمتهم؟
كما يشير الكاتب إلى أن اختزال الدراسة في الاختبارات، وفي العمل بعد التخرج خطأ كبير، فصحيح أن العمل بعد التخرج مهم وأساسي، لكنه لا يجب أن يكون حجر الزاوية في عملية الإصلاح، ولا العامل الموجه لها.

ومن الأفكار البارزة التي يأتي الكاتب على ذكرها باستمرار هي أن صلب وجوهر هذه الثورة الثقافية هو إكساب الإنسان بنية ذهنية لا مجرد تقنيات مستوردة؛ يعني أن الهدف من الإصلاح التربوي هو تعليم أولادنا الحس النقدي، وآداب الحوار، وأهمية التعددية، وضرورة احترام الرأي المخالف، وراهنية الإبداع، والاعتماد على النفس، واحترام الوقت، وغيرها من القيم والمفاهيم التي وجب تلقينها نظريًّا وترجمتها على شكل سلوك يترسخ بعدها فيصير ثقافة مجتمعية، هذه الأشياء تهم البنية الذهنية ولا يمكن أن تستورد ببلادة من الخارج، كما نستورد المقررات الدراسية والقوانين من فرنسا. الإصلاح الحقيقي إذن يهدف إلى بناء الإنسان لا إلى استيراد التقنية.

ويرى الدكتور أوريد أنه قبل الإقدام على أي إصلاح يجب أن نجيب عن سؤالين وجوديين مهمين، أولهما من نحن؟ وبخصوصه يقول إنه لا يمكن أن نختزل الأمر في الجنسية المغربية مثلًا؛ فالأوراق الثبوتية شيء طارئ، يقول إننا نحن سكان هذه الأرض منذ أن ظهر الإنسان، ولا يمكن أن نقتصر عند مرحلة محددة لتعريف المغربي؛ فقد تعاقبت حضارات وثقافات وديانات كثيرة. لكن الثابت في المغرب، يقول أوريد، هو العمق الأمازيغي والبعد الأندلسي، وما دون ذلك متحول، لكن كل هذه المتحولات من قبيل الثقافة العربية أثرت في الشخصية المغربية، وقد ساهمت في بنائها حتى صارت جزءًا منها، إننا نتميز عن غيرنا ولكن الأمر لا يعني عداء لهم،  يقول أوريد: «فكيف نعادي من اقترنا وإياه، وندين في الغالب بنفس العقيدة، ونرزح وإياه في الفقر وصنوف الاستبداد».

ويشير الكاتب إلى التحول الذي عرفته علاقاتنا مع الخارج، فقد صرنا أكثر تأثرًا بالشرق، تحولت علاقاتنا من محور عمودي (أي علاقاتنا مع أوروبا الغربية) إلى علاقات أفقية مع دول الشرق العربي، ويتساءل بذلك الكاتب ضمنيًّا هل نريد أن نكون أكثر اتصالًا وارتباطًا وتأثرًا ببلد مثل البحرين؟ أم ترانا نريد أن نتأثر ببلد يوجد على مقربة منا مثل إسبانيا؟ وأكيد أن لكل واحد منا إجابة.

أما السؤال الثاني الذي يجب طرحه هو ماذا نريد؟ وجواب الكاتب في مستهل الفصل الثاني من كتابه «نريد أن نكون جزءًا من التجربة الكونية ،ونستوعب ما انتهت إليه»، أي أن نكتسب ونتبنى الفكر الحداثي الذي يمثل عصارة التراكمات التي مرت منها مختلف التجارب الإنسانية، حتى يتسنى لنا بعدها الانخراط والمساهمة في إغنائها.

كما يشدد أوريد على دور النخبة لأنها وحدها من لها القدرة على التغيير؛ فالعامة غالبًا ما يناوئونه ويميلون إلى الركود، لكن الكاتب يعترف بأن جزءًا كبيرًا من النخبة تميل أحيانًا إلى الصمت وإلى الاستكانة خوفًا أو انتهازية، أو تغليبًا لما قد تراه مصلحة عامة، وهي بذلك تتواطأ مع الاستبداد وتأبى التغيير، ويكتب الدكتور أوريد بالحرف «»كل من خدم المستبد شريك له، وشريك في تأبيد الاستبداد، وشريك في وأد الحرية أو تعطيل تفتقها، سواء أكان فردا أو جماعة».

ويذهب مؤرخ المملكة سابقًا إلى القول إن البنية الذهنية العقلانية غير كافية، لا بد من قيمة الحرية، نعم، لا يمكن أن نقدم على إصلاح التربية في ظل الاستبداد أو الحكم المطلق الذي لا يراه أوريد مجرد سلوك، فهو بالأساس ثقافة ونظام.
وإذا كانت الحرية أساسية للحديث عن إصلاح تربوي حقيقي، فليست شبكة ذوي المصالح أو المستبدين هم وحدهم من يعيقونها، فهناك الفهم السلبي للدين من خلال أدلجته، أو فرضه قسرًا، أو اتخاذه منظورًا أحاديًّا لا فلسفة حياة. ويقول صاحب«سيرة حمار» إن بعض التقاليد المستشرية في المجتمع تقف حاجزًا أمام الحرية، ويستشهد الكاتب بالثقافة المخزنية التي يقول إنها تأبى المبادرة والابتكار وتقوم على الولاء عوضًا عن الكفاءة.

إلى جانب ذلك يقول أوريد حرفيًّا إنه «من العسير الارتقاء بالمنظومة التربوية في غياب شيء اسمه الدولة، وفي استمرار شيء اسمه المخزن، وفي تفشي الثقافة المخزنية التي تجعل المواطنين يقبلون وضعهم كرعايا، ويفضلون الامتيازات عوض الجهد، والاحتيال عوض المثابرة..» والدولة كما هو معلوم مبنية على مؤسسات وقواعد وقيم، فإن غاب أحد هذه الأسس، صار صعبًا الحديث عن الدولة، وصار معها الحديث عن إصلاح تربوي أمرًا عسيرًا؛ لأن الدولة هي أساس الإصلاح التربوي.

و العنصر الآخر الذي لا إصلاح تربوي من دونه هو العدالة الاجتماعية بين الأفراد، فوحده تكافؤ الفرص من بإمكانه أن يجعل من المدرسة أداة للحركية الاجتماعية، والحركية الاجتماعية معناها أن يتمكن الفقير من الارتقاء بوضعه الاجتماعي نتيجة لجده ومواظبته، وإن كان الأمر صعب الحدوث حسب علماء اجتماع كثر، مثل الفرنسي بيير بورديو الذي يرى أن أبناء النخب والأطر هم من يتفوقون في العموم، وبذلك تكون المدرسة مجرد أداة ﻹنتاج الوضع الاجتماعي نفسه، لا وسيلة للحركية الاجتماعية كما يستحسن أن تكون. والمدرسة المغربية مثال للمدرسة التي تعيد إنتاج الوضع الاجتماعية نفسه.

هكذا يستهل الكاتب حسن أوريد كتابه، وهو ينظر إلى ثورة ثقافية تتجاوز فسيفساء التقنية إلى جوهر البنية الذهنية، لكن لا مجال لثورة ثقافية دون أسس وركائز أهمها مناهضة الاستبداد، وإعلاء الحرية والعدالة الاجتماعية، وإرساء قواعد الفكر العقلاني وعدم الانجرار وراء التأويل السلبي للدين.

يتبع

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد