المُتعلمين في عصرنا صاروا لا يستطيعون التأقلم والتكيف والإكتفاء الذاتي مثل أسلافهم البسطاء وتتضح هذه الحقيقة بصورة مخزية أكبر في أزمنة الوباء وأزمنة الحروب والأزمات ومن العجيب أن الحاصلين على أعلى الشهادت هم الأكثر عجزاً من غيرهم في مجابهة هذه الأزمات فما السر في ذلك ؟

لقد كان الفلاحين يمتازون بمهارات عديدة لا حصر لها فكانوا يستطيعون الإكتفاء الذاتي في أغلب أمورهم الحياتية بداية من الزراعة وحتى تربية الطيور والمواشي ثم انتاج منتجات الألبان المتنوعة كالجبن والقشطة وحتى انتاج الزبدة ثم انتاج الزيوت الصحية من زراعاتهم الوطنية كزيت القطن وزيت الزيتون وغير ذلك من الزيوت النافعة .

وكذلك قدراتهم على علاج أنفسهم بالطبيعة فكانوا يستغنون عن الأطباء بل ولا يحتاجون إليهم وحتى في التوليد كانوا يستعينون بالدايات (القابلة التي تقوم بتوليد النساء) ، وكذلك قدراتهم على تصنيع الخبز وصيد الأسماك وقدراتهم على الخياطة وانتاج القطن والكتان وبالتالي كانوا يستطيعون أن يأكلون ويتداوون ويلبسون مما يزرعون دون أن يستعبدهم أحد

ناهيك عن قدراتهم على بناء منازل صحية أكثر من منازلنا اليوم ، تلك المنازل الريفية التي تتحدى قدرات مهندسي البناء اليوم في هندستهم المدنية على مناخها المعتدل وتهويتها الصحية ، وكذلك قدراتهم على استخدام كل ما يحيط بهم من خيرات الطبيعة كخشب الأشجار وفرو الغنم وجلد البهائم ، وكذلك قدراتهم الفطرية في تربية ابنائهم على الأخلاق الحميدة

لقد كانوا بفطرتهم النقية أفضل من كل أطباء الدنيا حتى صارت صحتهم وأعمارهم أفضل بكثير مما يُعانيه المتعلمين في الحضر

هؤلاء المتعلمين الآن لا يستطيعون الإستغناء عن الكهرباء والثلاجة والغسالة والتلفاز والكمبيوتر والهاتف والإنترنت هؤلاء المتعلمين الآن لا يستطيعون الزراعة حتى وإن كانوا متخرجين من كليات الزراعة وإن استطاعوا الزراعة فلا يستطيعون الزراعة بدون الكيماويات الضارة

وبذلك أثبت الفلاح البسيط قدرته المنافسة للمهندس الزراعي الحديث بل وأثبت أنه أفضل من المهندس المدني في البناء وأثبت الفلاحين البسطاء أنهم أفضل من كل الأطباء

فهل جنى التعليم الحديث والحضارة الحديثة على الإنسان ؟ نعم – نعم هذا ما حدث ، ولكن متاهات الحياة الحديثة وانشغالاتها المتعددة جعلت الإنسان ينصرف عن حقيقته الفطرية وطبيعته النقية السوية حتى جائهم وباء كورونا ليُبين لهم عجز حضارتهم وعلومهم وتعليمهم على مواجهة الأزمات بل بيّن لهم عدم قدرة التعليم الحالي حتى على تعليم كيفية نظافة اليدين ، وعدم قدراتهم على فهم كيفية تعقيم منازلهم بدون إحتياجهم للتوجيهات والإرشادات الإعلامية

لن أقول ودّعوا ما ألفتموه من فساد في التعليم والواقع الحضاري ولن أدعوكم بالعودة إلى الزراعة والطبيعة لأنه ضرب من الخيال والعبثية ، وخاصة للأغلبية التي ألفت الحياة المدنية فصارت لا تستطيع الإستغناء عن مستنقعاتها العفنة ، لأنهم ألفوا ضجيجها وملوثاتها البيئية والصحية حتى ألفوا الأمراض الحديثة كالضغط والسكري وحتى أنهم ألفوا واعتادوا على استئصال بعض أعضائهم المهمة كاللوزتين والمبيضين والثديين والزائدة الدودية والمرارة الصفراوية بل واعتادوا على السرطان نفسه .

وفي المقابل صاروا يرفضون بعناد وشدة للعودة إلى حياة أجدادهم النقية والصحية بدعوى (لن أعيش في جلباب أبي) وبدعوى : (لن أعيش إلا في ثياب ماما أمريكا) رغم أن هذه الثياب الأمريكية المهترئة لا تستر عورات البشر ولا تقيهم من شر البرد والأوبئة ، وكذلك عمامة التعليم الأمريكي .. فما هي في الحقيقة إلا غمامة التعتيم الإغريقي ، حيث يغرق الإنسان في بحور تعليمهم فلا يستطيع أن يطلب النجاة إلا من شواطئهم فلن يطلب الدواء مثلاً إلا من بلادهم أو الدواء الذي ترضى عنه منظماتهم وهيئاتهم لأنه لا يعرف سبيلاً للنجاة من متاهاتهم إلا بأدواتهم التي تعلمها في مدارسهم أو تعلمها في مدارس بلاده التي تحكمها أمريكاً أو التي تفرضها على مدارسهم في اسلوب تعليمها الفاسد الذي يقتل الإبداع ويأده في مهده ، والذي يشجع على العبودية والتبعية الأمريكية ، ولهذا استعير بمقولة (نيل تايسون) عن التعليم حيث قال : (ان الطريقة الوحيدة لبناء المستقبل هي تخلصك من الصندوق الذي وضعك فيه النظام التعليمي) . أ.هـ

فهيا بنا نستعد لنسف نظام تعليمنا القديم لنبدأ بنظام تعليمي جديد بحيث يرفع من قيمة الإنسان الفطرية والصحية والدينية والروحية لن أدعوا إلى العودة إلى الطبيعة مثلما اقترح (ألدوس هكسلي) مثل هذا الكلام فسخروا منه شر سخرية وانتقدوا أفكاره وعدّوها من المثاليات والخزعبلات الفكرية ، والعجيب أن رواية (العالم الطريف) التي دعى فيها هكسلي لهذه الفكرة كانت منذ قرن تقريباً من الزمان ، والأعجب أنهم منعوا نشرها في أيرلندا سنة 1932 وكأنهم بذلك لا يريدون للإنسان أن يتحرر من قيود وفساد الحضارة المدنية الحديثة فأين هكسلي الآن ليكتب روايته الجديدة (العالم السخيف) ليتحدث فيها عن واقعنا المأساوي الذي انحرف فيه التعليم عن مساره وانحرف فيه الإنسان عن رسالته وغايته والذي تدمرت فيه الصحة وانتكست فيه الفطرة والدين والقيم والفنون الرفيعة ؟

ومن عجيب ما ذكره هكسلي في روايته : أن العالم الجديد تهمه السعادة أكثر مما تهمه (المعرفة) وأن السعادة حالياً هي سعادة آلية محضة لا توجهها الميول الشخصية وإنما تُفرض على النفوس فرضا أ.هـ

فما هذه العبثية ؟

استعرت هذه الجملة خصيصاً لأن التعليم الحديث أيضاً . يُفرض على النفوس فرضاً لكي لا يخدم إلا مصالح الرأسمالية الأمريكية الخبيثة فهل تجد مثلاً في التعليم الحالي ما يُحذر من شرب المياه الغازية ؟ مثل كوكاكولا وبيبسي ؟

وهل تجد ما يحذر من خطورة المواد الحافظة ، واللحوم المصنعة ، والأغذية المعلبة ، والحلوى والشيبسي ؟

إن التعليم الحالي لم يصنع من الإنسان إلا مسخاً وعبداً تابعاً لهم مسلوباً حريته وكرامته ومنزوعاً من القيم حتى إن هكسلي نفسه قال في نفس الرواية : أن الفرد في العالم الحديث تكاد تنعدم شخصيته فيه انعداماً تاماً أ.هـ

وبالطبع لا يمكن أن تنعدم شخصية الإنسان بهذه الصورة المنحدرة إلا إذا كان للتعليم الحديث أكبر تأثيراً على انعدام شخصية الإنسان فيه ، ومن عجائب وسائل التعليم الحالي أنك لن تنال درجة الدكتوراة إلا بعد عمل بحث يخدم مصالحهم الرأسمالية والإستراتيجية مثل البحث عن فوائد مادة دوائية تابعة لهم بدلاً من أن تقوم بعمل بحث يثبت اضرارها أو تقوم بعمل بحث يتحدث عن فوائد إحدى الأعشاب الطبيعية في علاج الأمراض والأوبئة العصرية (فصارت بذلك أعلى مراتبنا العلمية هي أعلى عملاء الرأسمالية) وقد ذكرت تفاصيلاً أكثر من ذلك في مقالي : المكاتب الاستشارية.. عميلة للرأسمالية

المكاتب الاستشارية.. عميلة للرأسمالية

فارجعوا إليه لأهميته العظيمة ومما ذكرته في المقال أن : الطبيب الواحد في عصرنا بمثابة مكتب استشاري كامل عنده أيضًا صفة الولاء التلقائي لعلوم أعدائه ولدواء أعدائه كذلك ولا يستطيع أن يصف للمرضى أعشابًا لم يدرسها ولا يستطيع من كثرة المرضى أن يجد وقتًا ليدرس فيه طبًا بديلًا غير ما درسه وتعود عليه، وكأن كل طبيب في عصرنا قد صار عميلًا للرأسمالية ومُسوقًا لأدويتهم وكأنه هو أيضًا لا يملك القدرة على أن يتحرر من هيمنتهم عليه. أ.هـ

لن أدعوكم كما دعا هكسلي في روايته للعودة للطبيعة ولكني أدعوكم للبحث والقراءة عن قبيلة الهونزا المعمرة التي تعيش حالياً في شمال باكستان والتي تتمتع بالصحة والعافية والسلامة الفطرية ، لأنها لا تزال تعيش على الفطرة النقية

وأدعوكم كذلك إلى إعادة صياغة منهجية التعليم الحالي في كل بقاع الأرض من مشارقها ومغاربها بحيث يتعلم فيها الإنسان أبسط القواعد اللازمة لتعلم قدرات التكيف الذاتي وقدرات مواجهة أزمنة الحروب والأوبئة والأزمات ويتعلم فيها القيم الدينية والروحية والتنمية البشرية التي تُعينه على مواجهة مصاعب الحياة ويتعلم فيها منهجية الزراعات البسيطة مثل زراعة الأسطح والشرفات (البلكونة) ويتعلم فيها الطعام الصحي والرعاية الصحية اللازمة له

ولكنهم في الحقيقة لا يريدون ذلك حتى تمرض ثم تمرض ثم تمرض فتشتري ثم تشتري ثم تشتري من حاناتهم الصيدلانية هذا الترياق العبثي الذي يسمونه بالدواء

وتشتري ثم تشتري ثم تشتري من حاناتهم الغذائية هذا الطعام العبثي الذي يسمونه بالغذاء

وفي النهاية أختم بمقولة أينشتين المشهورة : (الغباء هو فعل نفس الشيئ مرتين بنفس الإسلوب ونفس الخطوات مع انتظار نتائج مختلفة) أ.هـ

فهل سنكرر نفس الخطوات في تعليمنا الحالي ؟

أم سنقرر تغيير هذا الخطوات لضرورة تغيير المستقبل ؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد