ستكون جائحة الكورونا للعالم من أهم وأعظم الدروس التي سوف يخلدها تاريخ البشرية في القرن الواحد والعشرون لما لها من تأثيرات قوية في مجالات عدة، منها الاقتصادية، والسياسية، والدينية، والتعليمية و… وقد تفرط مرحلة ما بعد الكورونا على العالم سلسلة من التغيرات في القواعد والنظريات والفلسفات في مختلف المجالات والأصعدة، فتلزمنا على تغيير الأنظمة أو تطويرها وقد تلزمنا أيضًا حتى على تصحيح بعض المفاهيم والتعمق فيها وحتى توقف عندها لإعادتي النظر فيها.

فجأة ومن دون سابق إنذار تُشَلُ الحركة في العالم، ليجد العالم نفسه تحت مصير واحد هو منع التجمعاتِ بأشكالها المختلفة لما لها من أخطار عليه، وكان من أول هذه التجمعات التي مُنِعت هي المدارس والجامعات والمعاهد التعليمية المختلفة وحتى المسجد لم تُستثن من ذلك، فاكتظت حجراتها بالطلاب من مختلف الأعمار، وخاصة الأطفال يُشكلون الخطر الأكبر لتفشي الجائحة.

فما كان من الحكومات إلى أن أمرت المؤسسات التعليمية إلى تسريع إجازة الربيع وبإنهاء الفصل الدراسي الثاني، وغلقها إلى أجل مسمى، بمرسوم التنفيذي جاء فيه الوقاية خير من العلاج، فسرعت المدارس للبحث وإيجاد طرقا جديد لمواصلة المسير وما تبقى من الدروس للفصل الثالث وإنهاء العام الدراسي الاستثنائي الذي يبقى بلا شك ذكرى خالدة في أذهان هذا الجيل.

فلجأت إلى تطبيق بيداغوجية جديد في التعليم وهو – التعليم عن بعد – أو كما يسمى التعليم الإلكتروني، الذي أراه شخصيًا أنه سيكون بعد الجائحة إحدى أهم المعايير لقياس وتصنيف المدارس ومدى جاهزيتها.

ولكن هل أحسنت الخيار هل كان هذا الخيار هو الأفضل في ظل التكنولوجيا الحديثة وسرعة التواصل والاتصال من خلال شبكة الإنترنت؟ وهل خيار التواصل من خلال الحصص الافتراضية واستخدام تطبيقاتٍ مختلفة ومتنوعة سواء التي كانت مخصص للتعليم أو للتواصل الاجتماعي كان صوابًا؟ بالرغم من أن هذا الخيار كان مطروحًا، وكانت هناك على مدار السنوات السابقة نداءات ودعوات لممارسة مثل هذا النوع من التعليم، ولكن لمن تقرأ زبورك يا داود فاهتمام المؤسسات التعليمية كان يُصبُ إلى جوانب أخرى ومشاكل لا تنتهي.

فقد شكلت الجائحة فرصة كبرى لإعادة هذه النداءات من جديد حتى لا تتوقف عملية التحصيل الأكاديمي، ولكن ما أقول هنا وأظن أن الأغلبية تتفق معي هو أن تطبيق التعليم الإلكتروني كان مفاجئًا لأولياء الأمور على الأقل، لأنهم ببساطة يعتبرون هم وأبناؤهم الفئة المستهدفة في عملية التعليم ككل، هذا من جهة التعليم.

ومن جهة أخرى وزاوية أعمق حادة، هو أن هذه الجائحة إلى كتابة هذه السطور لم يتحدد لها موعد زمني محدد فإن طالت مدتها أو قصرت، فإننا سنجد أن التعليم الإلكتروني بدأ يأخذ مساحة أكبر من مرحلة ما قبل الجائحة، سؤالي هنا أين ستكون التربية في عملية التعليم والتعلم؟

المدرسة متفق عليها بالإجماع على أنها تأخذ حيزًا تربويًا كبيرًا في حياة الطالب العلم، فهي التي تترك أثر في شخصيتيه، كيف لا وفيها يتعلم كيفية التعامل مع أقران يشابهونه في العمر والاهتمامات والثقافة والسلوكيات، ففيها يتعلم أيضًا كيف يكوّن الصداقات وكيف يتحكم برغبته ويتعلم كيف يضبط حركته العشوائية، ويتعلم كيف ينمي قدراته وفيها يتعلم الاحترام، إضافة إلى ذلك تعامله مع المعلم كمصدر للمعلومة، أو مسير للوصول لها كل هذه العوامل سوف تترك أثرًا ولو كان ضئيلًا في شخصيته، جميع ما سبق أن ذكرناه من أمور هي موجود بالمدرسة وغير متاحة في المنزل كثيرًا وبعضها لا يجب على المنزل أن يؤديها، إذًا أين التربية بعد أن سلمنا بأن التعليم الإلكتروني هو البديل المنطقي العقلي للتعليم على الأقل في الوقت الراهن؟

لإجابتي على التساؤل المطروح نقول إن التربية هي مزيج من العناصر تتفاعل فيها القيم ومعتقدات وممارسات وتصرفات ومشاعر وإيماءات، وقوائم افعل ولا تفعل و… فالمدرسة في زمن الكورونا أمام اختبار حقيقي في حسن النوايا وصدق الرسالة التي تقول على لسان والدة الإمام مالك بن أنس – رضي الله عنه – أوصته عندما أرسلته ليتعلم عند «ربيعة» قائلة ما معناه: تعلم من أدبه قبل علمه، فإن أحسنت المدارس المزج بين التربية والتعليم الإلكتروني، قد يكون لنا حاصلًا وناتجًا تربويًا، وربما يكون هذا الناتج له أثر على هذا الجيل الذي يعيش تغييرًا جذريًا في جيله، لكن لأسف ما نجده في زمن الكورونا وغياب المدرسة، آباء وأمهات يقدمون الرعاية للأبناء دون التربية، مثل بعض المساجد التي هي مجرد مكانًا لأداء المناسك فقط، وبعيدًا كل البعد عن كل ما يتعلق بالتربية، فأصبح الأمر كله ينطبق برمته على المدرسة ومن خلال ما ذهبت إليه من تكيف مع الوباء والتحول من نظام حضوري إلى إلكتروني.

أقول إن النداءات في تغيير طرق التعليم وتحسينها من التقليدية إلى الحديثة ما هي إلا نداءات التي أرى فيها إضافة إلى البعد التربوي، كيف ذلك؟ أقول إن التعليم الإلكتروني من ميزاته التفاعل فيتح للطلبة التفكير ولعب أدوار مختلفة وتغيير في أدوارهم والبحث والتفاعل وتنمية الذاتية فيه من جهة، ومن أخرى يتيح للمعلم مراقبة هذا التفكير والأدوار والتقييم والتقويم وحتى توجيه هذا التفكير والتصرفات.

كل هذه التصرفات من التقييم ومراقبة وتوجيه وبناء لذاتية تأخذ أبعاد تربوية ومؤثرة في حياة الطلبة، ما أريد قوله إن علينا نصل لصياغة تعليمية تربوية ممزوجة بين التعليم الإلكتروني والتربية، فلا يتم إقصاء التربية فيها كليًا فعملية التعليم الإلكتروني التي هي تسيير في الوقت الراهن يمكن بلورتها وصياغة فكرة هي التربية والتعليم الإلكتروني، وعدم الاختباء تحت مبرر أن التربية على الأهل فقط ويجب أن يأخذوا دورهم فيها فهذه فكرة حالمة جدًا.

فقد رأينا خلال هذه الأيام الوبائية بعض المدارس أخذت التربية على محمل الجد فكما خصصت فيديوهات للتعليم الأكاديمي كذلك خصصت بمقابل فيديوهات تغرس فيها القيم التربوية للطلبة والإرشاد والتوجيه الآباء والأمهات لمواجهة هذا التحدي، إيمانًا منها أن التربية من أولويتها وفهمت الرسالة بالصدق ولعلمها أن الأهل في هذا الزمن لهم أدوار وظيفية مهنية في حياتهم يقومون بها، إضافة إلى أن الأهل لا يمكنهم القيام بـكل مفردات التربية ككل، فقد قيل أن التربية أول حاجة الشعوب بعد لقمة العيش.

وبعيدًا عن التربية وبعودتنا لخيار المدارس للتعليم الإلكتروني بقدر ما كان خيارًا طرفيًا، إلا أنه خيار الوحيد الذي كان أمام جل المدارس، لكن بينما كان خبراء علم الفايروسات يحاولون إنتاج مصلٍ يقتل أو يوقف هذا الوباء عند حده، كانت المؤسسات التعليمية والمعلمون والتلاميذ وأولياء أمورهم يتخبطون في تجريب التطبيقات التعليمية لممارسة التعليم عن بعد الذي كان جبل أمامهم فلم يعرفوا قمته من قاعدته، وهنا بدأت تنكشف العيوب لكثير من المدارس ومدى تقصيرهم وضعفهم وتجربتهم في مواكبة تكنولوجيا التعليم الإلكتروني، وهنا أظنه مربط الفرس، فكيف لمؤسسات تنجح في التربية والتعليم الإلكتروني لم تنجح فيه ولم تفقه فيه شيئًا.

فرأينا اجتهادًا شخصيًا من بعض المعلمين باستخدامهم «يوتيوب» معطين ظهورهم للتلاميذ ولا يكاد يسمع صوتهم وآخرون يستخدمون «واتس آب» في التواصل مع التلاميذ وأولياء الأمور من خلال إنشاء مجموعات لكل فصولهم فوضعوا أنفسهم في الإزعاج وفقدان الخصوصية.

ورأينا بعضهم أيضًا يشتكون من البرنامج نفسه، بالرغم من أنهم كانوا يستخدمونه في مدرستهم لعدة سنوات أو كان لزامًا عليهم في هذا الظرف، ورأينا بعضهم يشتكى من البرنامج على أنهم لا يستطيعون أن يضيفوا عليه ملفات أو لا يمكن أن يمارسوا عليه الحصص الافتراضية المباشرة ورأينا و… كل ذلك جعل من البرامج التعليمية حقل تجارب لدى المعلمين والتلاميذ والمؤسسات التعليمية، لكن ما نقول إنهم مشكورون على الجهود الفردية، ولكن ليس هكذا تورد الإبل!

ربما ليست المشكلة مشكلة برنامج فلكل برنامجا خاصيته وطريقته وحتى اسلوبه للتعامل معه، المشكلة الحقيقة تكمن آلية التعامل مع هذه البرامج والتطبيقات بطريقة عشوائية تفتقر إلى الخبرة والكفاءة، ونقول أيضًا أن هذه التجربة الكورونية أظهرت مدى الضعف الذي تعاني منه بعض المؤسسات التربوية وبعض العاملين عليها في مجال متابعة التطور التكنولوجي في التعليم. وقد أظهر بلا شك مدى تقصيرهم في إعداد معلم المستقبل فضلًا عن إعداد جيل المستقبل.

وفي الأخير ما نقوله إن حتى قبل الجائحة أن التربية والتعليم بصفة عامة هما جزيآن، نحتاج لتوازن كبير بينهما من حيث الكمية والنوعية، ونحتاج لنظم تعمل على المزج الدقيق بينهما، ليكون لدينا تلاميذ، أو بالأحرى إنسان متوازن، وبتوفر جزيء بكثرة على الآخر فإننا نرى متعلمًا دون نتاج تربوي، أو بنتاج تربوي سيىء، وضريبة ستكون حتمًا على المجتمعات ككل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد