أحمد بابكر حمدان
أحمد بابكر حمدان

مدخل

في مقالي السابق بموقع ساسة بوست تناولت فكرة أن يكون التعليم معززًا للتواصل بين الأفراد والمجتمعات، وأن يرقى التواصل المعرفي على تقلبات السياسة ومعكرات الصفو بين الشعوب، لا سيما المتقاربة والمتجاورة، كحالنا في السودان وتشاد.

إطار يفتقر إلى محتوى

وعطفا على فكرة المقال المذكور، من المهم التنبيه إلى أن التواصل ليس سوى آلية وإطار يفتقر إلى محتوى إيجابي. وبما أن حديثنا في سياق التعليم والتعلم، فإن ثمة محتوى قيميًا يفترض توفره في تواصلنا المعرفي.

إن أهم التغيرات المرتجاة في عالم التربية، أن يرتقي اهتمام المربين من الكم إلى النوع، ومن التصويب المستمر إلى ترسيخ أساليب تقوم على سلة قيم يفترض اعتبارها معيارًا لجودة التعليم، واضطلاع النظام التعليمي بتعزيزها. قد يتفق الجميع على صلة ما بين التربية الجيدة والتقدم، لكننا لا نجد أثرًا لذلك في الواقع لافتقادنا أساليب وبرامج تترجم ما يقدمه الخبراء أو المؤسسات البحثية. يقول الدكتور عبد الكريم بكار في تغريدة له: “الذي يصنع الفرق في حياة كل الأمم هو التعليم الجيد، وإن كل العناصر الأخرى تكاد تكون عديمة الفائدة في ظل التعليم الرديء”.

تجربة تربوية

في جانب التجارب التربوية، يستخدم بعض المدربين في السودان نموذجًا أطلق عليه “ASC” لاكتشاف هوايات الطلاب وميولاتهم، بتركيز الاهتمام على أربعة أنشطة رئيسة من بينها المعرفة knowledge، وبحسب المدربين فإن تغيرًا كبيرًا ينتظر أن يضيفه “ASC” فيما يتعلق بنظرة الطالب للمعرفة، وتحسين مستوى الاهتمام بها كما يرى طالب الثانوية بمدينة الفولة السودانية أحمد عبده جاموس. ويهدف النموذج من وراء وضع النشاط المعرفي في سلة هوايات الطالب، إلى ترقية المعرفة والتعليم إلى مرتبة الأنشطة المحببة أسوة بالرياضة والترفيه مثلًا.

إن ما يقوم به “ASC” محاولة لتوظيف العقل الباطن في ربطه بين المفردات والأحداث، وإنتاجه مشاعر متماثلة برابط التزامن. ولك أن تتخيل ما سيجنيه مستخدم النموذج وهو يقبل على المعرفة كنشاط مفضل في سلة هواياته.

إن ما يتصل بمقالنا من النموذج التدريبي المشار إليه، ما يرسخه من قيمة حب المعرفة لدى مستخدميه، ووضع لبنة مهمة في سلة القيم المرتجاة كمخرجات لنظام التعليم.

أفكار للمربيات

نشرت ناشطة في إحدى المنتديات النسوية، سلسلة خطوات وأفكار لزرع حبّ المعرفة في الطفل وتشجيعه على التعلّم واستكشاف كلّ ما هو جديد، موجهة حديثها للسيدات:

حدّثي طفلكِ بشغفٍ عن تجارب عشتيها وأماكن شيّقة زرتيها في الحقيقة؛ حتى تنتقل إليه عدوى الشغف ويتحمّس أكثر لمعرفة المزيد وعدم الاكتفاء بما يُلقّنونه إياه في المدرسة أو يشاهده على التلفزيون.

أُخرجي بطفلكِ إلى العالم واصطحبيه إلى أماكن مختلفة يتعلّم من خلالها أمورًا ومفاهيم جديدة، كأن تقصدي وإياه المتحف الوطني مثلًا، أو ترافقيه في نـزهةٍ طويلةٍ في أحضان الطبيعة، حيث يتسنّى له لمس الأشياء عن قرب.

ابتكري وسيلةً مرحةً تجعل من الأوقات المخصصة للدراسة والواجبات المدرسية أكثر متعةً بالنسبة إلى طفلك.

وإن كان طفلكِ يطرح الكثير من الأسئلة المعقّدة، فاجلسي وإياه وابحثا معًا عن الإجابات الدقيقة وتعلّماها سويةً. بهذه الطريقة، ستُحفّزينه على أن يبذل جهده وكل ما في وسعه دائمًا لنهل المزيد من المعارف.

معيار تقدم

وإن كان لأحد أن يتساءل عن أهمية حب المعرفة كقيمة، فإن الدكتور عبد الكريم بكار قد وفر لنا إجابة وافية في إحدى تغريداته أيضًا: “كنت أبحث عن معيار حقيقي للتقدم الحقيقي، فوجدته في رقي أخلاق النخب، وشغف الناس العاديين بالعلم والاكتشاف”. لم يكتف بكار بالنظر إلى “حب العلم والاكتشاف” كقيمة تربوية مفترضة، بل عدها معيارًا لتقدم المجتمع في نصفه العادي في مقابل “رقي الأخلاق” كالتزام في نصف النخب إن جاز الوصف.

مهمة شاقة

قد تكون مهمة المربي في ترسيخ “حب المعرفة” شاقة بدرجة كبيرة؛ نسبة لما تصنعه البيئات الاجتماعية من معاجم الواقع المحددة لأوزان الأشياء وأدوارها، ومن ذلك المعرفة بالطبع. إلا أن تأكيدنا على صعوبة المهمة ليس تنبيها للمربي؛ حتى لا
تتخطفه أياد اليأس حين يتبنى معظم الطلاب تفسيرات الواقع المزرية بالمعرفة والتعلم، ولا يحطمه الإحباط وهو يشاهد تباين الأوزان بين أهل “العلم والمعرفة” وأهل “الكرة والأوتار”.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك