في واحدة من محاولاتي التي غالبًا ما تنجح في استدراج ذاكرتي، وذخيرة أبجدياتي لتحسس حالة الهلامية، والضبابية والازدواجية في حياتنا، تذكرت أني قرأت يومًا ما كتب روبرت ماكنمارا رئيس البنك الدولي الأسبق في كتابه (جوهر الأمن) حول علاقة التعليم بالأمن، والذي اعتبر فيه قضية سلامة وأمن الوطن لصيق الصلة بحماية عقول أبنائه وتقدير إمكاناتهم وقدراتهم.

لكن بدلًا من استدراج ذاكرتي تلك، أدخلتها في صراع طويل مع الفاسدين أصحاب ربطات العنق المنمقة، وأقحمتها للتفكير في الفجوة بين القول والفعل التي ضاعفت حجم وعمق ارتباك هذا الوطن الضال، على مستوى القول يتشدق المسؤولون باستمرار بكلام عظيم مثل: (الجامعات مصانع الرجال)، أو (حملة الشهادات العليا هم مشاعل النور والتقدم)، أو (أساتذة الجامعات هم قادة الفكر وبارود الثورة) وعلى مستوى الفعل نادرًا ما يوضع هؤلاء القادة في موضوع القيادة، وإن وضعوا يتم بالتزكية على أساس الولاء وعدم المعارضة وضمان المسايرة، ولم تحدث استفادة من حملة الشهادات العليا إلا بالقدر الذي يحقق المصالح الشخصية، إلى الحد الذي يحارب النابغ منهم لإسكات أصوات تعلو بالحقائق، ولم يسبق وأن اعتبرت الجامعات مصانع الرجال بالقدر الذي سادت فيها الصراعات التنظيمية والأكاديمية وحفر الخنادق وإلصاق التهم، والتشهير والتقزيم.

أمسكت القلم وبدأت أستنتج بعض الأمور التي قد تكون سببًا واضحًا لإعلان الحرب على قلمي، وهي: أن نقطة الضعف الأساسية في نظامنا التعليمي، وفشل مؤسساتنا في مطابقة أفعالنا بأقوالنا، وضعف أثرها في تشكيل أو تعديل السلوك الإنساني الذي يسوء يومًا بعد يوم، وينسلخ عن منظومة القيم، وعدم قدرتها على كبح جماح الانحراف النفسي في التعامل مع البعض فظهرت الخيانة، والغدر والإقصاء، والتهميش والقذف، وفساد النفس الأمارة بالسوء، هي أننا لا زلنا نتعامل مع قضية التعليم على أنها قضية خدماتية لازمة أو أنها (تحصيل حاصل) شأنها شأن خدمات إصلاح الطرق، أو مد شبكات الصرف الصحي، ولم تستقر في اهتماماتنا باعتبارها قضية مصيرية – سياسية أمنية تمس مستقبل الوطن، وتحدد موقعنا القادم.

هذا الاستنتاج جعلني أكفر جهارًا ومع سبق الإصرار بكل محاولات الترقيع في مؤسساتنا التربوية، وأستحقر التفكير الباحث عن البريق السهل والإقناع بالإيهام من خلال الصور والتقارير المصورة، والإنجازات الورقية.

عدت مرة أخرى للتفكير أحاول أن أقنع نفسي أننا جميعًا تحت طائلة القانون وأننا ننعم بالمساواة وتكافؤ الفرص من حيث الثواب والعقاب (المساءلة والمكافأة)، لكني اصطدمت بأولئك الذين يتوعدون كل من يمارس التحايل على القاعدة، يبررون الاستثناءات، ويفصلون القرارات بما يخدم مصالحهم.

فاقتنعت حد الاستسلام أن أسباب أزمتنا يكمن وراءها حقيقة واحدة هي: (أزمة العقل) التي نشأت نتيجة الرضوخ لتقبل التناقضات، كالتناقض بين توجيهات السياسيين وأهل الفكر، ووضوح الطرف الثاني لنزعة التسلط المستند إلى القوة من الطرف الأول، مع تصوير الأمر على أنه الصورة المثلى للتوافق والتكيف النافع لصالح المجتمع، وتناقض أهل الفكر أنفسهم بعد أن تحولوا إلى قبائل متصارعة لا ترضى بغير الدم، وتمارس توجيه سهام الطعن والإقصاء والتهميش حتى وإن كان دون موقف جامع بينهم، بغرض تحقيق مصالح ضيقة، ضيقت على المجتمع أنفاسه.

للمرة الأولى أشعر من داخلي المفعم بالتشبيك بين ما يجري على الأرض وفي داخل مؤسسات في الأصل هي مصدر التغيير والتعديل نحو الأفضل، أني أخرج عن المألوف في تأطير الخيبة لأقول أن مجتمعًا يسوده التناقض والقبول به لن يكون بخير.

لست جاحدًا لأنكر أفضل المخلصين، لكن السواد غلب النور.. أقول قولي هذا وأنا في كامل قواي العقلية التي تطاولت على الحقيقة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد