في سبعينيات القرن الماضي، كان جيل المدرسين الذين تتلمذنا عليهم يرفضون مبدأ الدروس الخصوصية، وينظرون بعين الاحتقار لأي مدرس يعطي درسًا خصوصيًا، وكان أحدهم يعتبر أن من الاهانة له كمدرس أن يطلب منه أحد درسًا خصوصيًا مقابل المال، وكنا كطلاب نحمل نفس النظرة والمشاعر للدروس الخصوصية ولأصحابها، فلم يكن أي أستاذ من الأساتذة الجدد حديثي التخرج يجرؤ على أن يقول للطلاب أني أعطي درسًا خصوصيًا.

وبالمقابل كان المدرس من هؤلاء القدماء الأفاضل يبذل كل جهده، بل أكثر مما هو مطلوب منه ليفيد طلبته في المدرسة، ولم يكن أحد يحتاج أبدًا إلى مدرس آخر ليفهمه المادة، وكان هؤلاء الأفاضل يبذلون جهدًا إضافيًا فيعطوننا – دروسًا إضافية – خارج وقت الدوام الرسمي ليعيدوا لنا شرح بعض المواد أو ليسمعوا أسئلتنا.

ولم أكن أسمع أن أحدًا من الطلبة اضطر لمدرس خصوصي، والذي يذهب لمدرس خصوصي كان يذهب ترفًا وبسرية لأن التدريس الخصوصي كان مجرمًا قانونًا، والمدرس الذي يعطي دروسًا خصوصية يعاقب قانونًا ويفتضح بين زملائه ويصغر في عين الجميع.

وبدخول العراق في حروبه العبثية، وفي سنين الحصار الاقتصادي التي سرقت أكثر من عقد من أعمار العراقيين، اختفت الكثير من القيم والسلوكيات من المجتمع، وأصبح الممنوع مباحًا، والسلوك المعيب أصبح يمارس بلا حياء، وهكذا تفعل الحروب وسياسة الإفقار بالمجتمعات.

أصبحت طبقة الموظفين والتي كانت مكتفية ماديًا في فترة الستينيات والسبعينيات من القرن العشرين، وخلال سنوات قليلة محسوبة على الطبقات الفقيرة، وبدأت تنمو ظاهرة الدروس الخصوصية وتأخذ أبعادًا أخرى، لأن المعلم والمدرس بدأ يبحث عن أسباب رزق جديدة أغلبها لا علاقة لها بمهنته في التعليم، حاله حال بقية موظفي الدولة، ومن أسباب الرزق الجديدة هي الدروس الخصوصية، وكان هذا السلوك مفهومًا آنذاك بأن الدافع إليه الحاجة المادية عند الكثيرين، وليس الكسب على حساب الطالب وعلى حساب الأمانة في التعليم، وبقيت نسبة لا بأس بها من المعلمين والمدرسين تؤدي مهامها بإخلاص وأمانة، سواء كانوا من أصحاب الدروس الخصوصية أم لا.

وجاءت سنين الضياع والعبث مع الاحتلال الأمريكي للعراق. وظن الناس أن عهد الكبت وتقييد الحريات قد انتهى، ولم يعد هناك حسيب أو رقيب من دولة أو قانون. وتخلى كثير من الموظفين ومنهم بعض كوادر التربية والتعليم عن البقية الباقية من القيم والتي أصبحت من تراث العهد البائد. طبعًا ليس الجميع، فهناك إلى اليوم معلمون ومدرسون يبذلون جهدهم بأمانة وإخلاص، لكن أتكلم عن الغالب الأعم والذي شكل ظاهرة لا تخطئها العين في المجتمع العراقي. وهذه الظاهرة تمثلت في قاعدة بسيطة تواطأ عليها كل الموظفين بإجماع غير معلن وهي:

إن الراتب حق خالص للموظف مقابل التزامه بالدوام الرسمي، وليس أجرًا على الخدمة التي يقدمها للمواطن.

بمعنى أن الموظف يلتزم بالدوام ساعات محددة مقابل الراتب، أما الخدمة التي يقدمها للمواطن فيجب أن يأخذ مقابلها مالًا إضافيًا. يسمى أحيانًا هدية ويسمى أحيانًا رشوة وعند طبقة المعلمين والمدرسين يسمى دروسًا خصوصية. ليس هناك فرق في السلوك ولا في النتيجة، لأن المدرس الذي لا يشرح الدرس بأمانة لطلابه، ويتعمد عدم إفهامهم حتى يضطرهم للتسجيل عنده في دروس خصوصية، لا يختلف في شيء عن الموظف الذي لا يكمل معاملتك حتى تعطيه رشوة. هذا من ذاك والنتيجة واحدة. خدمة مقابل مال، لأن الراتب لا دخل له في الموضوع.

وإذا كانت الدروس الخصوصية في سنوات الحصار مفهوم سببها وهو الحاجة المادية الملحة، رغم أن الكثير من المدرسين آنذاك ومع حاجتهم للمال كانوا يؤدون واجبهم بإخلاص ولا يضطرون طلابهم لحضور دروس خصوصية. فما هو السبب الذي يدفع الكثيرين من الاساتذة الآن إلى أن يفتحوا دورات ومعاهد للدروس الخصوصية وبمبالغ ليست قليلة. ولا يقدر عليها إلا الموسرون؟

رواتب الموظفين عمومًا ومن ضمنهم المعلمين والمدرسين تضاعفت إلى مائة ضعف على الأقل عما كانوا يأخذونه قبل 2003، واذا حسبنا مقدار التضخم والزيادة في الأسعار سيبقى الراتب معقولًا (ولا أقول ممتازًا)، فاذا كان السبب هو الحاجة إلى المال فهذا الآن ليس عذرًا.

بماذا نفسر إذن هذه الظاهرة التي انتشرت كالسرطان في مجتمعنا؟ هل هي نتيجة لاختفاء سلطة القانون؟ أم هي انعدام للضمير عند البعض؟ أم هي ظاهرة من ظواهر السقوط الأخلاقي الكثيرة التي ظهرت إلى السطح نتيجة الاستبداد والحروب العبثية التي عانى منها العراق منذ زوال النظام الملكي وبدء عهد الثورات التعسة، وانتهاء بالعهد الأمريكي المظلم وأذنابه؟

ظاهرة الدروس الخصوصية هي عرض ظاهر لمرض سلوكي أخلاقي عميق يبدأ بالفرد ثم المجتمع، ينبغي دراسته بجدية لأن الدول التي سبقتنا في هذا المسار النكد كمصر مثلًا وصلت إلى الحضيض في نظمها التعليمية، والذي أدى إلى انحطاط في السلوك المجتمعي وهذه نتيجة طبيعية لنظم التعليم المتخلفة.

ونحن دولة غنية لسنا من الدول الفقيرة كمصر وغيرها، وميزانية وزارة التربية والتعليم عندنا عامرة، ويجب أن يكون المعلم والمدرس مكتفيًا ماديًا، ثم يحاسب بشدة اذا لم يؤد ما عليه، ويحاسب بصورة أشد إذا أعطى درسًا خصوصيًا، لأن التعليم هو أساس النهوض والحضارة، وكل من يسعى لإفساد التعليم خائن لبلده وضميره ودينه.

كلامي هذا ليس خاصًا بجيل معين الآن، لأني أرى أمامي اثنا عشر جيلًا ينتقل كل عام من مرحلة لأخرى، ويتعلم في المدارس أسوأ أنواع السلوك وأخطرها وهو عدم الاخلاص في العمل وخيانة الأمانة، وتقديم المال على المبادئ.

وهذا ما سيستقر في – لا وعي – الطالب من ظاهرة الدروس الخصوصية، والتي يقوم بها من يفترض أنهم قدوة له في الإخلاص والأمانة.

وأملي أن يتدارك العقلاء هذه الكارثة.

– الفهم هو الحل – 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

تعليم, فكر, مجتمع
عرض التعليقات
تحميل المزيد