كيف تكون التربية أساس الفعل الحداثي؟

مقدمة:

يشكل النظام التربوي والتعليمي لكل أمة الورشة الفعلية التي فيها تصنع الروح الإبداعية الحضارية في مختلف أبعادها القيمية والمعرفية والسلوكية، ومن هنا يظهر الارتباط الوثيق بين التربية والحداثة، فحداثة أمة ما لا يمكن أن تتحقق خارج السياق التربوي. لأن الحداثة بوصفها شكلًا من أشكال التغير والتنوير والتجديد تتصل بصورة مباشرة بالبنية التربوية، فالتربية مناط الحداثة وعلتها.

ومع بداهة هذا الإقرار، فإننا لا نكاد نلمس له أثرًا في المجال التداولي الإسلامي، فالتقارير الدولية تشير إلى أن النظم التربوية العربية تعاني من اختلالات على مستويات عدة بعضها يعزى إلى المخططات الاستعجالية التي تتبعها السياسة التربوية والبعض الآخر يعزى إلى غياب رؤية تربوية منهجية تكاملية.

وتقتضي الإشارة هنا إلى أن هذه المعطيات لا تعدو أن تكون مجرد أعراض مصاحبة لأصل المرض ويمكن إرجاع هذا الداء إلى مستويين:

المستوى الأول: غياب الوعي العربي بأهمية المسألة التربوية في إنتاج الحداثة، حيث غلب خطاب النهضة العربية الخطاب السياسي على الخطاب التربوي بسبب ظاهرة الإمبريالية ومستلزماتها الكولونيالية، والحاجة الملحة إلى الفكاك منها، فضل السؤال عن الفعل التربوي مستبعدا وهامشيا في العديد من النصوص النهضوية.

المستوى الثاني: تعدد مشارب الاستمداد من نظم فلسفية تربوية غربية صيغت في مجالات تداولية تختلف عن المجال التداولي الإسلامي. يمثل إطارها المرجعي والنهائي النموذج الحداثي الغربي بكل حمولاته التحيزية والاختزالية[1]، فحيثما اتجهنا نجد ضروبًا عديدة من المطابقة والمماثلة للنظريات التربوية الغربية ولعل هذا ما يفسر ظاهرة الغياب والحضور (غياب نظريات تربوية عربية إسلامية لصالح نظريات تربوية غربية ).

ورغم الاعتراف بخطورة الأزمة التربوية والتعليمية في بلادنا العربية وانخراطها في البحث عن مخرجات وحلول لها ، فإن هذه الأخيرة لا ترتقي إلى ما هو مطلوب ومنشود، ذلك أنها لا تلامس في الغالب الأعم سوى إشكالات هامشية بل تقنية، وبالتالي تنتج حلولًا عشوائية ترقيعية تستنزف الزمن والجهد المادي والمعنوي وتنتهي في نهاية المطاف إلى الفشل، وتزداد معها الأزمة عمقًا؛ لأن جل هذه المحاولات العلاجية لم تنظر إلى الإصلاح التربوي بوصفه أفقًا للحداثة. مثلما لم ينظر الخطاب النهضوي إلى الحداثة بوصفها رهانًا تربويًّا، وعلى الإجمال فإن آثار هذا القصور كرس لأزمتين جعلتا التربية دينامية محركة للعقل والروح والحداثة دينامية معطلة. وقد أوجزنا هاتين الأزمتين فيما يلي:

أزمة غياب: ترجع بالأساس إلى غياب التصور البنيوي الناظم للتربية والتعليم في بلادنا العربية، أو بتعبير أدق غياب فلسفة تربوية، التي نعتقد أننا وبفعل حالة التراجع الحضاري انقطعت عن الأنموذج التربوي القرآني الذي هو الأصل المرجعي الضابط، ولعل أبرز دليل على ذلك الشح الشديد في التأسيس الفكري والفلسفي لنظرية تربوية إسلامية.

أزمة حضور: وتتجلى في الحضور الصارخ للنظريات التربوية الغربية في المعطى الثقافي العربي مما كرس لحالة من المشابهة والمقايسة للقول التربوي الغربي حالت دون إبداع نظرية تربوية عربية لها هويتها الخاصة المستندة إلى زمانها الحضاري والمؤطرة ضمن مجالها التداولي، والتي تدفع عنها ضيق المطابقة والمماثلة إلى أفق الاختلاف.

وعلى الإجمال فإن الخروج من هاتين الآفتين يقتضي تحقيق شرطين؛ «شرط الإبداع وشرط الاستقلال»، وأما الشرط الأول فيكون بفتح آفاق إبداع تربوي له سنده المرجعي والمنهجي المستمد من خصوصيته الثقافية واللغوية والقيمية الحق. بينما الشرط الثاني يكون بالاستقلال عن القول التربوي الغربي وأسسه الفلسفية التي قام عليها. وهذا الشرط هو ما يمكن أن نطلق عليه العربي في الاختلاف التربوي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد