الصراعات بين الشعوب ليست فقط صراعات عسكرية واقتصادية. يوجد صراع أساسي على مستوى المعلومات، والذي يؤثر مباشرة في مواقف وتوجهات وسلوكيات المتلقين للمعلومات، وأيضًا في حالتهم النفسية ومعنوياتهم.
يخطئ الكثيرون في الاعتقاد شديد السطحية بأن التعليم هو مجرد عملية لاكتساب مهارات مطلوبة في سوق العمل لكسب العيش أو مصدر للمكانة الاجتماعية، بدون أي اعتبار للمؤثرات العقائدية والسياسية خلف أي عملية تعليمية تتبع جهة حضارية ما. ففي واقع الأمر التعليم هو أداة تدجين عقائدية لخدمة مشروع سياسي قومي بعينه. من خلال قراءة معينة وانتقائية للتاريخ وتبني منطلقات فلسفية وعقائدية مطورة محليًّا تعكس العقيدة السياسية القومية ينشأ نظام التعليم كسلاح معلوماتي يدجن الطلاب ويشعرهم بالتفوق ويعبئهم ضد غيرهم، ونظام التعليم هذا بطبعه الحصري والتمييزي معادٍ لمن هم خارج هذه القومية، وبالتالي تبني هذا النظام من قبل قومية أخرى هو تعبير عن الخضوع والتبعية من قبل الأمة المتبنية لهذا النظام الأجنبي المعادي.
هذا يعني أن الشعوب التي لا مشروع قومي سياسي لها كأمة العرب حاليًا، لا يتوفر فيها تعليم بهذا المعنى. فأين المشروع القومي السياسي للعرب في العالم؟ ما القيم التي يريد العرب أن ينشروها وفي أي مكان في العالم؟ أين يسعى العرب لأن يكون لهم مكانة مميزة؟ لا يوجد مشروع، إذًا لا يوجد تعليم عربي كسلاح معلوماتي يحقق هذه المصالح. ولكن ماذا عن المدارس والجامعات التي تنتشر في العالم العربي والممتلئة بعشرات الملايين من الطلاب؟ بالتأكيد يوجد عملية تعليمية ولكنها مع الأسف مرتبطة بمشروعات قومية سياسية خارجية ومعادية، وتحديدا غربية، بمختلف قومياتها الأمريكية، و الفرنسية، والانجليزية، والألمانية.. إلخ. حتى وإن كانت المدرسة مدرجة في فئة المدارس المحلية غير الأجنبية، فإن المناهج بالكامل، وإن كانت معربة، والنظم الدراسية بل العملية برمتها، مستوردون من الغرب بسبب العجز الشديد في الحاصل المعرفي لدى العرب في العصر في الحديث.
للأسف يتكلم بعض أولياء الأمور ويتناقشون فيما بينهم بأن التعليم الإنجليزي أفضل، أو الفرنسي أفضل، أو الأمريكي أفضل، أو الألماني وإلخ. ويغفلون عن دور التعليم الحقيقي في التدجين العقائدي. فالتعليم الإنجليزي هو أفضل للإنجليز فهو أداة حرب معلوماتية تساعدهم في تعظيم مصالحهم حول العالم، والتي تتلخص في إكسابهم معاملة مميزة لهم، دون غيرهم، من قبل الدول والأسواق والمجتمعات حول العالم، للسبب نفسه التعليم الفرنسي هو أفضل للفرنسيين، والألماني للألمان، ولكن التعليم الإنجليزي سيئ للفرنسيين، فهو لا يستهدف تحقيق مصالح الفرنسيين حول العالم، وللسبب نفسه التعليم الأمريكي سيئ للألمان والألماني سيئ للإسبان وإلخ، وبالقطع أي تعليم غربي سيئ جدًّا للعرب؛ لأن هذه الأمم الأجنبية معادية بشكل كامل للعرب، وبالتالي نظم تعليمها هدامة لهم، صحيح أنها تكسبهم بعض المهارات وتجعلهم أكثر قبولًا في أسواق عمل متطورة، ولكن هذا على حساب مصلحتهم القومية الجامعة، وأيضًا علي حساب صورتهم الذاتية وصحتهم النفسية، فهم يتعلمون، حسب المناهج الغربية، أنهم أناس وضيعة لا قيمة ولا شرف لهم في الحاضر، بل لا تاريخ لهم، وأن عليهم بالتبعية الكاملة لثقافة الغرب ونظمه القيمية وتوجهاته السياسية المعادين كلهم للعرب، أي إن الطالب العربي يتعلم كراهية ومعاداة نفسه وأهله كمدجن أنتج في نظام تعليم أجنبي معادي.
التعليم كالجيش هو أداة حرب، ولكنها أداة حرب معلوماتية نفسية هدفها التدجين والتعبئة لخدمة مشروع قومي سياسي معين على حساب غيره. العرب حاليًا بسبب الإفلاس المعرفي لا يوجد لديهم أداة الحرب هذه مما جعلهم عاجزون عن «الدفاع المعرفي» فضلًا عن الهجوم. ومضطرون أن يجندون أبنائهم في معسكرات التدجين الغربي المسماة بالمدارس ليخرجوا منها معادين لأنفسهم وللكيان الحضاري الذي ينتمون إليه. ومصابين بالتناقض المعرفي واضطراب النفسية والهوية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد