اتصلوا بالشيخ طالبين منه مباركة العرس الفاخر، وإلقاء عظةٍ في هذه المناسبة التي دعوا لأجلها سكان الحيّ بأكمله، وأنفقوا عليها الآلاف المؤلفة بهرجةً وغرورًا. وما هي إلا أسابيع حتى اتصلوا به كرةً أخرى، لكن من أجل أن يشهد طلاق المتزوّجين عن بعضهما. والسبب؟ خلافٌ حيال نفقات العرس!

طقوس العادات والدين

لا يقتصر مثل ذلك على البيئات المرفّهة. ما زالت الأعراس في أكثر البيئات شعبيةً من مشرقنا، تعني إقامة الأفراح ليالي متوالية، يعاني الزوجان سنواتٍ بعدها من وطأة الديون. الأمر ذاته يسري على بقية المناسبات الاجتماعية كما في الولادة، هلا تمهّل الأهل قليلًا حتى يروا إن كان الوليد بارًا أو عاصيًا!

وفي مناسبات الوفاة، هلا أنفقوا على روح الميّت في أحد وجوه الإحسان بدل استضافة الأهل والخلّان! في العراق، ينفقون في مناسبات دينية، ما لا ينفقونه على إطعام الفقراء أو بناء المستشفيات أو إيواء المشردين أو تعبيد الطرقات. لأنها «مسؤولية الدولة» وكأن مسؤولية الناس تقتصر على الحزن والحداد! حين لا تميّز بين الخطأ والخطيئة، يصبح كلّ ما تظنه حلالًا، صائبًا. ويصبح كلّ ما تظنه حرامًا، مصيبة.

930r

شعوب عاطفية بأهداف عبثية

اسمحوا لي أن أكون صريحًا: شعوبنا ساذجة، تحبّ العبث وتكره العطاء. تهرب من واجبها تجاه المجتمع، إلى ما تعدّه واجبًا تجاه الله. تفضل الالتزام بالمظاهر والشكليات والطقوس الاجتماعية والدينية، وتفرّ من الالتزام تجاه أصحاب الحاجات. نحن شعوب عاطفية بامتياز، نتمسك بالقشور، نساهم بلا تردد في إعمار دور العبادة، ثم نفكّر مليًّا قبل أن نساهم في تشييد مدرسة!

شعوب لا تعرف سبيلًا إلى النجاح إلا في أداء العبادات. ولا طريقًا إلى التقدم إلا في اتباع العادات!
ندين بأقوى الألفاظ استعمار الغربِ لبلداننا، ولا نجرؤ على استنكار خضوع العقل للعادات!
نقدّس المرويات، مهما تضاربت، ونكره التحقيق فيها؛ لأننا لا نعرف التمييز بين الخطأ والصواب.


اقرأ في هذا الصدد: قفصٌ اسمه الماضي


مكمن الخلل يبدأ من المنزل

حين تقول لأحدهم، وليكن طفلك: «هذا حرام»، فإنك تغلق باب النقاش أمامه، إذ لا يعود هناك ما يدعو إلى معرفة السبب، ما دام حرامًا. وما أكثر أن يستسهل الناس كلمة «حرام» ليوفّروا على أنفسهم مشقّة إقناع الآخرين بخطئهم. بينما حين تقول له: «هذا خطأ»، فإنك تفتح نافذةً للحوار، إذ ينبغي عليك أن تخبره بسبب خطئه حتى تقنعه. فإن أقنعك فقد أفحمك، وبرهن لك صواب رأيه.

وأما في بلادنا العربية، فيعلّمون الصغار الطاعة العمياء للكبار، ولا يعلّمونهم حرية الرأي ومناقشة الأفكار. يعلمونهم الصلاة، وعقوبة تارك الصيام، ولا يعلمونهم حبّ الآخرين ولو كانوا مختلفين. يعلّمونهم التقليد واحترام العادات، ولا يعلّمونهم التجديد واحترام العقل.

بينما كثيرًا ما أرى الأمهات والآباء هنا، يقضون على قارعة الطريق أوقاتًا في الحديث مع صغارهم كما لو كانوا كبارًا، يحاورونهم بهدوء، محاولين جاهدين إيصال وجهة نظرهم إليهم، ولو تعسّر عليهم إقناعهم. بهذا، لا يوصلون لهم فكرتهم بلطف، بل يعلّمونهم المسؤولية والاحترام المتبادل والثقة بالنفس وقوة الشخصية.

886r.jpg

نشءٌ يعبد الأهواء والشيوخ

ثم نعجب بعد ذلك كيف حصلنا على نشءٍ لا يميّز بين الخطأ والصواب! لا يعي تحمّل المسؤولية لأنه لا يمتلك الإرادة، ولا يحسن استخدام عقله، ولا ينهض إلا بأمر من زعيمٍ أو بفتوى تؤجّج عواطفه.

أغرب ما في الأمر، أننا نرى ثمار منهجنا في التربية، وندرك ما آلت إليه أجيالنا: من سطحية التفكير أو همجية التكفير. وما آلت إليه بلادنا من تخلفٍ وفسادٍ وتعتير. ونرى ما بلغه الغرب من تقدّم، ما يتمناه كلّ شرقيّ. ثم إذا خُيّر بين إقامة دولة مدنيةٍ أو دولةٍ دينية، لاختار منهج العواطف على منهج «الضَلال»!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد