من أفدح أخطائنا في العملية التعليمية الالتزام الصارم بالمناهج التقليدية التي تعتمد على التلقين وتخلو تمامًا من التحفيز على التفكير والإبداع. وقد أدرك بعض الفلاسفة والإصلاحيين في فرنسا في بدايات القرن الثامن عشر تأثير هذا المنهج العقيم على تدهور المجتمع كما أدركوا أحد المفاهيم المنطقية التي أقاموا عليها حركتهم التنويرية وهو أن (كل إنسان قادر على أن يفكر بمفرده) ولكي يساعدوا الأجيال الجديدة على القيام بذلك كان لابد من تحريرهم من سيطرة الكنيسة التي وظفها السياسيون لأحكام السيطرة على الشعب، وبالتزامن مع بداية نظريات العلم الحديث والنظرية السياسية كانت الدعوة إلى إنشاء المدارس المدنية وتحجيم دور الكنيسة التي تعادي هذا الفكر وترفضه. وبالرغم من أن مجتمعاتنا الشرقية قامت بمحاكاة النموذج الفرنسي لاحقًا في الاتجاه إلى إنشاء المدارس المدنية لكنها لم تتخلَّ عن أساليب الكتاتيب كوسيلة للتعليم واستمرت المناهج تعتمد على التلقين إلى يومنا هذا فأصبحت المدارس تنتج قوالب مستنسَخة غير صالحة لمواجهة تحديات العصر.

للأسف الشديد فإن الفقرة السابقة بالرغم من كارثيتها إلا أنها رفاهية لا ننعم بها في جمهورية مصر العربية فلم تعد مشكلة التعليم هي الافتقار إلى المناهج المتطورة وأساليب التعليم الحديثة ليمكننا إسناد هذه المهام بسهولة إلى مجموعة من المتخصصين لتغييرها. لكن تكمن المشكلة في عدم تمتع القيادة السياسية منذ عقود طويلة بوعي كافٍ لإدراك أهمية إصلاح المنظومة التعليمية واعتبارها أولوية تستحق أن يخصص لها ميزانية مناسبة.

في الماضي كان كل ما تتطلبه العملية التعليمية هو رواق في مسجد أو كنيسة ومعلم يجتمع حوله الدارسون ويقوم بتلقينهم المواد العلمية البسيطة كما كانت الأعداد الراغبة في تحصيل العلم ضئيلة والمجتمعات بدائية، أما اليوم فأصبحت العملية التعليمية أكثر تعقيدًا تطلب أبنية تعليمية وأجهزة حديثة لتسهيل تحصيل أكبر قدر من المعلومات لأكبر عدد من الطلبة وتصاعدت رغبة الحكومات في الاستفادة من مهارات الأفراد إلى أقسى درجة ممكنة لبناء دول مستقرة وآمنة.

فتشير بعض الدراسات إلى معدل إنفاق الحكومة الأمريكية مثلًا في السنوات العشر الماضية على خدمة التعليم المجاني التي تقدمها في المدارس في السنة للطالب الواحد بمقدار 10 آلاف دولار تشمل هذه الميزانية الأبنية التعليمية والأجهزة الحديثة وكل ما يتعلق بالمدرس وتأهيله، هذا في الوقت الذي لا تتصدر فيه الولايات المتحدة جدول التصنيف كأحسن مستوى للتعليم في العالم فقد سبقتها دول مثل كوريا الجنوبية وفنلندا وكندا وسنغافورة واليابان وغيرهم.

في المقابل لا تنفق الحكومة المصرية هذه الميزانية على الطالب المصري بالتأكيد ولا ما يساويها بالجنيه المصري، فهل نعلم كم تنفق مصر على الطالب في المدرسة؟

في دراسة عن معدل إنفاق الحكومة المصرية على الطالب في مرحلة التعليم الأساسي لسنة 2014 كان 300 دولار في السنة والذي على الأغلب يوجه إلى تغطية نفقات مرتبات المدرسين الضئيلة وليس له علاقة بتحديث العملية التعليمية أو الأبنية أو تأهيل المعلمين، وبمعنى آخر  تنفق الولايات المتحدة على الطالب الواحد ما تنفقه جمهورية مصر العربية على 33 طالبًا مجتمعين.

أيضًا بلغ مجمل الإنفاق الحكومي على التعليم في مصر حوالي 10 مليارات دولار في سنة 2014 (أظنها تراجعت كثيرًا بسبب ارتفاع سعر الدولار) لدولة تعداد سكانها يقترب من الـ95 مليون نسمة بينما تنفق دولة مثل المملكة العربية السعودية والتي تشارك مصر في مجانية التعليم الجامعي ما يزيد عن 200 مليار ريال سعودي أي ما يزيد عن 50 مليار دولار أو بمعنى آخر خمسة أضعاف ما تنفقه مصر على التعليم في حين أن تعدادها السكاني لا يزيد عن 34 مليون نسمة ما يرفع هذه الميزانية إلى خمسة عشر ضعف ما تنفقه مصر.

وإذا كان إصلاحيو وفلاسفة فرنسا في القرن الثامن عشر هم أول من دعا للإصلاحات التعليمية فقد طالب أيضًا الشعب الأمريكي حكومته بضرورة عمل إصلاحات في المنظومة التعليمية بعد الصدمة التي تلقاها في الرابع من أكتوبر سنة 1957 عندما أطلق الاتحاد السوفيتي أول أقماره الصناعية (سبوتنيك) إلى الفضاء الخارجي في إطار الحرب الباردة بين القوتين العظميين وإحساس الهزيمة الذي لحق بهم دون خوض حرب حقيقية، فاستجابت القيادة السياسية لهذه المطالب وتوالت التقارير التي تضع خطط التطوير أشهرها تقرير اللجنة التي شكلها الرئيس رونالد ريجان سنة 1983 (A nation at risk) أو (أمة في خطر).

ولم يعد يخفى على أحد أن مصر تعيش اليوم مراحل تدهور في تاريخها العريق تسترعي الصحوة التي حدثت في فرنسا في القرن الثامن عشر كما لم يعد التطور العلمي بالأمر الخفي الذي يحدث في السر ويفاجئنا بدون مقدمات كما حدث للمجتمع الأمريكي عندما أطلق الاتحاد السوفيتي أول قمر صناعي له، بل أصبح واقعًا ملموسًا نستشعره يومًا بعد يوم وبصورة مذهلة. فماذا تنتظر القيادة السياسية لاتخاذ خطوات جادة في إصلاح المنظومة التعليمية.

كان العامل المشترك لحركة الإصلاح التعليمي في فرنسا والولايات المتحدة هو نمو وعي الطبقة الحاكمة لأهمية الإصلاح، لكني أجزم أن المأساة لا تزال مستمرة في مصر فالرئيس لا يرى من فائدة للتعليم في وطن «ضائع» مع أن الوطن لم يصل إلى هذه المرحلة من «الضياع» إلا بسبب إهمال التعليم. فلم تنتبه الدولة لحجم الكارثة التي أحدثتها في المجتمع المصري بسبب تخليها عن الاهتمام بالمنظومة التعليمية ولا تزال تعاني التخبط في السياسات وسوء ترتيب الأولويات وتوجه ميزانياتها في أمور تبعد كل البعد عن بناء الإنسان حتى كان نتاج هذا التخلي أجيالًا كثيرة فاقدة القدرة على العطاء والبناء.

وبرغم اتساع الهوة بيننا وبين الدول المتقدمة بصورة كبيرة، إلا أن الأمر يمكن تداركه إن صدقت النوايا للإصلاح وتوجيه الجهود ومصارحة الشعب بالإمكانيات ودعوة المجتمع المدني والسماح له بالمشاركة وترتيب الأولويات وتوظيف الميزانيات لها لمواجهة هذا التحدي. فالتحدي الحقيقي هو أن يؤمن أصحاب القرار بضرورة الإصلاح بعدما أصبح تعبير «أمة في خطر» لا يناسبنا فقد تحول التعبير الأقرب لوصفه هو «أمة خطر» وبدأ العالم المتحضر يتخذ الإجراءات الاحترازية ضد مواطنيها لحماية أمنه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

التعليم بين الماضي والحاضر
عرض التعليقات
تحميل المزيد