ننجب أطفالنا وفي أذهاننا عشرات الأفكار والتصورات والأهداف والخطط لهم ولمستقبلهم. نقرأ عدة كتب، ونستمع لمحاضرات في التربية، ونلجأ للخبراء، ونأخذ بنصائح ذوي الخبرة والتجارب ممن سبقونا من آباء وأمهات. نفعل كل هذا وأكثر ولكننا لا نزال نشعر بالتقصير تجاه صغارنا، وأن هناك شيئًا ما ينقصهم أو ينقصنا، ونظل نبحث ونبحث حتى ينهكنا البحث، ويرهقنا شعور التقصير.

لماذا يشعر المربون دومًا بأنهم مقصرون؟

في ظني يرجع الأمر لعدة أسباب، أولها التصورات الذهنية التي وضعوها لأنفسهم ولأطفالهم، وغالبًا ماتكون تصورات ذهنية غير واقعية. ثاني هذه الأسباب السعي للكمال فهم يريدون الأفضل في كل شيء لهم ولأطفالهم الأمر الذي يرهقهم جميعًا ولا يؤدي بهم إلى نتيجة. السبب الثالث هو كذب التجارب والنصائح والخبرات التي يقدمها الآباء الآخرون لغيرهم سواء عمدًا أو دون قصد، فبعض الآباء يتعمد إظهار تربيته لأبنائه كنزهة برية جميلة لا مشقة فيها ولا تعب، ربما لإظهار نجاحه وقدرته على تحدي الصعاب وفعل ما لم يفعله الآخرون، ما يصيب الآباء الآخرين بالإحباط والشعور بالفشل. وبعضهم قد يصور الأمر بأنه معركة حياة أو موت ولابد أن يتم كل شيء على أفضل وجه، مهما تطلب الأمر، متجاهلين بذلك حاجات أبنائهم وقدراتهم الحقيقية.

والبعض الآخر من المربين غير قادر على تقديم النصيحة إلا أنه يقدمها، فتخرج منه المعلومات مشوهة ومنقوصة، وحقيقة الأمر أنها ليست بالمعلومات بل هي تجارب فردية قاصرة. فضلًا عن خوف المربين من الفشل، وعدم تقبلهم لحدوث تقصير أو وقوع أخطاء منهم في تربيتهم لصغارهم. وأضيف لما سبق جهل الآباء بما سيلاقونه من تحديات نفسية أثناء تربية أبنائهم، الأمر الذي قد يعيد لهم بعض الذكريات التي مروا بها في الصغر. كما أن بعض الآباء غير مؤهلين أصلًا لمواجهة مشقة التربية والتي تتطلب جهدًا عظيمًا.

لا أذيع سرًا أنني كنت واحدة من هؤلاء المربين الباحثين عن الكمال، والذين يريدون فعل كل شيء كما ورد. والحمد لله أني تنبهت لهذا الأمر، عندما فشل صغيري في تحقيق هدف كنت قد وضعته له منذ زمن. وهذا ما دفعني للتساؤل: هل وضعت هذا الهدف ليحققه لنفسه؟ أم لي؟ هل ينبغي عليه أن ينجح في كل هدف سأضعه؟ وهل سأظل أبحث عن تحديات لصبي حتى أرهقه وأدفعه للإحباط أم ينبغي علي سلوك الطريق الآخر وأن أتوقف عن السعي نحو الكمال؟

عزيزي المربي التربية ليست عملية سهلة، ولكنها ليست بالمستحيلة. كل ما عليك فعله هو الاستعداد نفسيًا للمساهمة في بناء وتكوين شخصية إنسان صغير وروح جميلة، وُهِبت لك. تعلم وابحث جيدًا واقرأ واستمع لكل ما يصل إليك من أمور تربوية ولكن تذكر أنك لست مطالبًا بالبحث عن الكمال في التربية.

تقبل أنك قد تخطئ هنا أو هناك، وأنه لا يوجد كتالوج موحد لتربية كل الأطفال، فالأطفال مختلفون لاختلاف طبائعهم وبيئاتهم وأنت كذلك تختلف عن غيرك من المربين.

لا تدع أحدًا يخبرك بضرورة البحث عن الكمال والمثاليات، فلا أحد مثالي. الكل يخطئون، ولكن قليلين هم من يتعلمون من أخطائهم ولا يكررونها.

 أنت مطالب بمنح الحب اللامشروط لصغارك، وتقديم الدعم والعون المادي والنفسي والاجتماعي لهم. لست مطالبًا بحمايتهم من العالم، بل تأهيلهم لمواجهة التحديات المختلفة، وهذا لن يحدث إن لم تتعلم أنت مواجهته بنفسك. وأولى هذه الخطوات تكمن في معرفتك أن الحياة ليست مثالية، فلا تحاول أن تكون مثاليًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أسرة, تربية, طفولة
عرض التعليقات
تحميل المزيد