أجمع كثير من المهتمين والمراقبين لقضايا علم التعليم على أن التربية هي عنصر البشري والعنصر الأساسي والمحوري الذي نقوم عليه في أي زمن كان، ولا سبيل إلى تحقيق المجتمع البشرى السليم إلا من خلال بناء عملية التربية بمساهمة التطور الشخصي، كما اكتسبت التربية وما تزال أهمية بالغة في حياة المجتمع البشري، فأكدت المجتمعات البشرية منذ بدء الخليقة أهمية التربية في الحياة؛ إذ تمارس المجتمعات البدائية بطريقة التلقين والتقليد إلى تحقيق هدف التوافق والانسجام بين الفرد والمجتمع.

والحق يقال، بأن التربية هي الوسيلة الكبرى في كيان المجتمعات البشرية والتكوين الدولة منذ عقود الزمان؛ إذ إنها توضح مفهوم الانسجام والاندماج بين مختلف اتجاهات ومكونات المجتمع، فهي تهيئ الكوادر البشرية والكفاءات الإنسانية القادرة على بناء مجتمع ما، فعملية التربية هي التصميم المنظم وتراكم الخبرات بمرور الزمان على تعقيد الأجيال بوصول الأهداف المرجوه التي تهيئ المجتمع نحو التقدم والتطور البشري.

ومما لا شك فيه أن الأمم تزدهر وتزداد تقدمًا وتطورًا كلما كانت نظم تعليمها جيدة وخالية من الأزمات، وكثيرًا ما نجد الأمم الفقيرة أو الدول النامية متخلفة بسبب نقص وتدهور النظام التعليمى الذي تتبعه تلك الأمم، فكثير من الناس يظنون أن الأزمة في التعليم هي أزمة مستعصية على العلاج، وليس الأمر كما يظنون، لأن التربية والتعليم هما عمادان لكل المجتمع.

فهناك أزمة حقيقية للتربية والتعليم كما تسلم رجال الفكر التربويين، تلك أزمة تعاني دول العالم غنية كانت أم فقيرة، بيد أن الأزمة تعمم جميع المجتمعات البشرية في جميع مجالات الحياة.

ما غاية التربية والتعليم تجاه الدول؟

إن الغاية بالتمييز والاختيار لأصحاب القرارات التعليمية من قبل مصير القوائم الذاتية في النظام التعليمي العام ليس بالأمر السهل، فكثير من دول العالم فشلت في اختيار أصحاب هذه القرارات، فانحرفت مؤسساتها انحرافًا خطيرًا حيث قادت مجتمعاتها إلى مسار التخلف الفكري والحضاري، في حين سخرت دول أخرى كل ما تملك من أجل تحسين وتطوير مناهجها التعليمية، دون إطلاق مبررات واهية مثل قلة التمويل أو الموارد، فقررت خوض غمار المنافسة وشمرت سواعد أبنائها حتى حققت ما أدهش عقول البشر، ولم تتعلل منبع التأخر لأن التعلل من باب أساس الفكر المقاصدي لتصميم المناهج التعليمية وتوافقه لسياسة الدولة وفق فلسفة المجتمع، فتجمد الثقافة التعليمية بين السياسة التعليمية والأهداف التربوية، وسبب ذلك؛ أن المناط العلمي يحتاج إلى تفكير أدق وزنًا من الأمور الأخرى، فاختيار الخبراء التربويين لبناء المناهج التعليمية وتأليفها وتدريسها يحتاج إلى الكثير من الرعاية والعناية، وقبل كل شيء لا بد من اختراع ماهية فلسفة المجتمع التي تناسب بتصميم منهجهم، ومن ثم إذا صلحت الفلسفة التعليمية والقائمون بأمرها، قام ذلك إلى الصلاح وتحسين خريجي أجيال الناشئة بالقيم والسلوك المرغوب فيه، جيل يرتقي إلى مستوى التحديات والتطلعات، وقادر على قيادة الأمة وفق سياسة البلد.

بناء على ما سبق، فإن السياسة التربوية والفلسفة التعليمية والنظام التعليمي إذا واجهت أزمة من أي جهة كانت هذه الأزمة تعرقل سير التعليم وتصبح أداة لخدمة طائفة تحتكر عقول المستقبل، فكثيرًا ما تحدث هذه الأزمة في البلدان التي يحكمها الديكتاتوريون.

بين المناهج التعليمية وسياسات الدول المعاصرة:
إن تصميم المناهج التعليمية وبنائها يشكل حجر الزاوية في حل مشكلات المجتمعات وإحداث نهضة شاملة، فالمشكلة الأساسية للتعارض بين التعليم والسياسة العامة للدولة هو الإهمال ووجود تعقيد في حفظ تراث المجتمع وعدم إعماله عبر تطبيق التعليم بناء على تقاليد وعادات المجتمع، فالأمر الذي يحدث بين المجتمع وسياسة الدولة هو تفكك وتشتت في الفكر الوطني والقومي، حيث يعجز الأجيال عن الاضطلاع بدور مهم في صناعة مستقبلهم بسبب وجود إشكالية بين التعليم وتحقيق الأهداف العامة (إستراتيجية الدولة).

وعلى هذا، فإن زعزعة التعليم التي تواجه الطلاب من ناحية دوافع التعليم تكون يومًا بعد يوم تزداد مللًا وإهمالًا، نتيجة ما يحدث في بيئتهم وعدم احترام هويتهم أو تقدير قيمة التعليم، فيكون وزنهم الحقيقي (تعليم من أجل التعليم، بدلًا عن تعليم من أجل النهضة والتقدم).

لذا فإن الدول الناهضة في العالم تسعى سعيًا حثيثًا لتربية أفرادها وعناية مواطنيها من خلال نشر الوعي والتعليم بين صفوف أبنائها، وبتحقيق تكافؤ الفرص التعليمية بينهم، ثم إن الإهتمام والتقدير بنشر التربية والتعليم وتحسينها المستمر يؤدي إلى ارتفاع نسبة تحقيق التكافؤ التعليمي بين الأجيال، ثم إن الجهود المبذولة بالأموال الهائلة في تحقيق الأهداف التربوية تجعل التعليم منفعة في قصدها المرجو، ووزنها الراهن، أضف إلى ذلك فإن التوازن الذي يحدث بين التعليم والسياسة العامة للدولة يؤدى إلى نمو الفرد والمجتمع نموًّا اجتماعيًّا وسياسيًّا وثقافيًّا وحضاريًّا، حيث تعتبر ما تنفقه الدولة على التربية والتعليم نوعًا من الإدراج العلمي الذي لا تقل فائدته وقيمته عن جوهرة الحياة كلها…

إننا نريد أن نسلط الضوء في التوفيق بين نظرة التربية والتعليم وما يقرره المصلحون التربويون والسياسيون والاجتماعيون بخصوص أمر هذا البحث أن يبدأ في أوله ثورة علمية، ثم يصير منهجًا تجديديًّا في مرحلة معينة.

وخلاصة الكلام أننا وصلنا إلى المرحلة الأخيرة، يحق لكل دولة وكل أمة أن تسعي للارتقاء إلى مستوى هويتها وأيديولوجيتها ووفق سياستها العامة، بيد أنه يجب أن يعترف الجميع لأن السياسة غرفة شرزاء، وزينتها التربية والتعليم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد