من خلال عملي مستشارًا علميًا وتكنولوجيًا في وكالة الدخل الكندي بالحكومة الكندية، استطعت أن أرى ماذا يمكن أن تفعله الدولة الحديثة وسياساتها لدعم العلم والبحث والتطوير. لم تكتف كندا بدعم البحث العلمي والتطوير عن طريق التعليم العالي، أو المنح الدراسية، أو دعم البحث الجامعي. بل قامت بدعم الصناعة علي نحو مباشر عن طريق البرنامج الذي أتشرف بالعمل فيه.

فماهو هذا البرنامج؟

البحث العلمي والتطوير التجريبي، أو البرنامج يسمى

Scientific Research and Experimental Development (SR&ED)

يعد هذا البرنامج من أكبر استثمارات الحكومة الكندية لدعم صناعاتها المختلفة.

تم تأسيس هذا البرنامج في 1944 وأخذ في التطور والتحسن رويدا رويدا حتى وصل لصورته الحالية. تمويل البرنامج حكومي، ويمول آلاف الصناعات الحرة بمليارات الدولارات في صورة أموال مباشرة أو إعفاءات ضريبية أو الاثنين معا. هذا البرنامج فيدرالي، أي يتم تمويله من الموازنة الكندية العامة و يؤهل الشركات – بعد قبول مشاريعها فنيا وماليا – لإعفاءات مقاطعية أخرى (كندا تتكون من عدة مقاطعات أوولايات بالمفهوم الأمريكي)، حيث لكل مقاطعة كندية برنامج بحث وتطوير خاص بها لدعم صناعتها الخاصة.

البرنامج ليس له حد أقصى من ناحية كمية التمويل الحكومي، أي أن الحكومة لا تضع سقف سواء لمبلغ التمويل الكلي للدولة، أو للشركة الواحدة. تستطيع الشركة الصغيرة والمتوسطة المطالبة بثلث ما تنفقه – خمسة وثلاثين في المئة للدقة – على المشروعات البحثية والتطويرية حتى ثلاثة مليون دولار وخمسة عشرة في المئة من أي مبلغ أكبر بدون حد أقصى. أما الشركة الكبيرة فتستطيع المطالبة بخمسة عشرة في المئة من التكاليف بدون حد أقصى أيضا. تحديد حجم الشركة يقوم على معادلات وقوانين اقتصادية معينة.

البرنامج يعتمد على ما فعلته أي شركة بالفعل. أي أن تكاليف المشروع لابد أن تكون أنفقت لتصبح الشركة مؤهلة لمطالبة الدولة بهذه التكاليف أو بعضها. توجد بعض البرامج الحكومية الأخرة والتي تعتمد على عرض المشروع أولا، ثم مناقشته مع مستشاري الدولة العلميين والماليين في المراكز والوكالات التمويلية الأخرى قبل اعتماد المشروع.

البرنامج ببساطة يعمل على تشجيع الصناعات المختلفة على إجراء أي نوع من الأبحاث الآتية:

علوم أساسية: وهي كل علم نظري تم تطويره بدون وجود تطبيق مباشر في وقت التطوير.

علوم تطبيقية: وهي كل علم كان غير مستخدم أو تم تطويره حديثا، ثم استخدم في تطبيق عملي مباشرة.

تطوير تجريبي: وهو كل ابتكار أو منتج أو مادة أو عملية إنتاجية جديدة بشرط وجود شك علمي أو تكنولوجي خلال عملية التطوير. وهذا الفرع أكثر ما يمكن أن تجده في الصناعة.

بعد أن تقوم الشركة أو الصناعة بتقديم إقرارها الضريبي، تقوم بتقديم ما يفيد بقيامها بمشروعات تنتمي لأحد أنواع الأبحاث الثلاثة المذكورة سابقا. وعندها  تقوم الحكومة بعمل تقييم فني وعلمي – مجال عملي في البرنامج – ثم تقييم مالي لكل مشروع على حدة.

في خلال هذه التقييمات، تتم الإجابة عن أسئلة تتعلق بالكيف والكم. لمزيد من التوضيح: كيف تم إجراء المشروع؟ وماهي كمية الشغل المبذول ومداه؟ الكيفية يتم تحديدها بالإجابة عن خمسة أسئلة:

ما هي المشاكل التي استدعت وجود شك علمي أو تكنولوجي في حلها؟ وما هي طبيعة الشك العلمي أو التكنولوجي والتي لا تستطيع المعارف الحالية أن تزيله؟

ماهي الفرضيات أو الحلول التي وضعت لإزالة أو تقليل الشك العلمي أو التكنولوجي المتسبب في حدوث المشكلة؟

هل تم إجراء تجارب لاختبار مدى صلاحية هذه الفرضيات أو الحلول لإزالة – أو تقليل – الشك العلمي أو التكنولوجي الموجودين  والمتسببين في ظهور المشكلة الأساسية؟

هل حدث تقدم علمي عن طريق توليد معارف علمية أو تكنولوجية جديدة بعد إزالة الشك العلمي أو التكنولوجي؟

ماذا يوجد من أوراق أو تجارب أو محادثات أو محاضر اجتماعات أو نماذج للحلول المطروحة أو متبقيات من التجارب، والتي تثبت وجود كل العناصر السابق ذكرها؟

الجميل في الموضوع أنه لا يلزم «النجاح» لإثبات أن هناك تقدما علميا قد حدث! أي أن حتى الفشل – بعد اتباع المنهج العلمي المذكور – يعد تقدما علميا، لأنك منعت الآخرين أو نفسك مستقبلا من المضي في هذا الحل غير الناجح!

ثم ماذا بعد؟!

الآن يأتي دور الكم. بالبداهة لا يمكن المطالبة مثلا بأجر عامل النظافة في المصنع من ضمن المشروعات المقدمة. لذا، يجب أن يتم تضمين الأعمال المرتبطة بشكل مباشر فقط بالمشروع المقدم.

على سبيل المثال، كل الأعمال الهندسية والتصميمية والرياضية والتحليلية وجمع البيانات والتحليلات السيكولوجية للمشروع يمكن أن يتم تضمينها في تكاليف المشروع. أما أي أعمال تختص بالتسويق، الإعلانات، التغييرات التصميمية الطفيفة، التنقيب عن البترول، تجميع البيانات الدورية، أعمال الجودة، فيتم استبعاد كل هذه التكاليف من قيمة المشروع لأنها لم ترتبط بالشك العلمي أو التكنولوجي المراد إزالته بشكل مباشر.

توجد العديد من التفاصيل المالية والتي تهتم بأسهم المالكين ونسب المكافآت والعقود والنفقات العامة، ولكنها خارج سياق هذا المقال وتعتمد على ظروف كل بلد.

تأثير هذا البرنامج لا يمكن وصف أثره على الصناعة بشكل يعطيه حقه. يكفي أنه يقوم بالمشاركة في المجازفة التطويرية مع الصناع، من ثم يقوم بدفع الصناعة المحلية بخطى كبيرة وواثقة. ونذكر هنا أن الصناعة الكندية تقوم بإنفاق من اثنين لثلاثة دولارات لكل دولار تنفقه الحكومة على البحث العلمي أو التطوير!

لازال بإمكان أوطاننا في الشرق الأوسط تتبع نفس الخطى العلمية والتطويرية لتشجيع وإنماء الصناعات المحلية. الصناعة والتطوير والبحث وإثراء المعارف المحلية هي المستقبل والأساس!

ملحوظة: آراء الكاتب تعبر عن آرائه الشخصية و لا تعبر عن آراء الحكومة الكندية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد