تشهد مصر حاليًا طفرة كبيرة وتحولًا دراماتيكيًا في المجال التعليمي بعد اعتماد وزارة التربية والتعليم أنظمة التعلم الإلكتروني في المراحل الدراسية المختلفة وخطتها الطموحة للارتقاء بمستوى المعلمين والطلاب أكاديميًا وفنيًا. إلا أن هناك بعض التحديات الخطيرة التي تقف حائلًا أمام هذا التطور؛ مما يستدعي دق ناقوس الخطر للمسئولين والمهتمين بالعملية التعليمية من أجل التدخل السريع لإنقاذ الموقف وإنفاذ خطة الوزارة الطموحة للتطوير التعليمي. لذا سيسلط هذا المقال الضوء على أهم هذه التحديات التي تواجه التطوير التعليمي في مصر وفقًا لنتائج وتوصيات أحدث الدراسات الأجنبية التي تناولت هذا الشأن.

أولًا: تحديات تكنولوجيا التعليم

يعتمد تطوير التعليم المصري في جوهره على تكنولوجيا التعليم، فتطبيق التابلت على طلاب المرحلة الثانوية وإلزام الاختبارات الإلكترونية لجميع الطلاب، وتفعيل منصة إدمودو التعليمية في المرحلة الإعدادية، وتضمين نظام التعليم التكنولوجي web 2.0 في المدارس الابتدائية تعتبر جميعها تطبيقًا عمليًا لتكنولوجيا التعليم في المدارس المصرية. إلا أن هناك بعض العقبات التي تواجه هذا التطبيق متمثلة في قلة عدد الأجهزة وضعف الاتصال بالإنترنت. فعلى الرغم من أن 91% من الأجهزة الإلكترونية في المدارس الابتدائية و96% من الأجهزة في المدارس الإعدادية مخصصة للتعليم، إلا أنها غير كافية بالنظر إلى عدد الطلاب؛ حيث يستخدم 140 تلميذًا كمبيوتر واحد فقط في المتوسط.

وعلى الرغم من خطة وزارة التربية والتعليم منذ عام 2007 لتجهيز معامل الحاسب الآلي في كافة المدارس الحكومية؛ لم تنجز في عام 2013 سوى 12% فقط من إجمالي المدارس الابتدائية المستهدفة و42% من المدارس الإعدادية و23% من المدارس الثانوية. بالإضافة إلى أن عددًا قليلًا من هذه الأجهزة متصل بالإنترنت؛ فوفقًا لأحدث إحصائية، كانت 25% فقط من أجهزة معامل الكمبيوتر التي تم إنجازها في المدارس الابتدائية والإعدادية متصلة بالإنترنت مقابل 11% من أجهزة معامل الكمبيوتر بالمرحلة الثانوية. وبينما يبلغ عدد المدارس التعليمية التي لديها اتصال بالإنترنت في الأردن مثلًا أكثر من الثلثين، فإن أقل من نصف المدارس التعليمية في مصر لديها إتصال بالإنترنت.

إلا أنه يوجد هناك فرص وإيجابيات متمثلة في زيادة نسبة التعليم المدعوم بالكمبيوتر CIA في المدارس المصرية؛ فحوالي 86% من المدارس الابتدائية و96% من المدارس الثانوية تعتمد التعليم المدعوم بالكمبيوتر، ويستخدم 40% من المدارس الابتدائية والثانوية التعليم بمساعدة الراديو RAI؛ ويتوفر التعليم بمساعدة التليفزيون TAI في 59% من المدارس الابتدائية و55% من المدارس الثانوية.

ثانيًا: تحديات المناهج التربوية

تشتهر المناهج المصرية باتباعها نهجًا تعليميًا يتسم بالحفظ والاستظهار، بالإضافة إلى صعوبة فهم الطالب لهذه المناهج بمفرده دون مساعدة معلمه. كما تتسهم هذه المناهج بعدم الارتباط بالحياة الواقعية والظروف المعاصرة، بل إن الطريقة التي يقوم بها المعلمون في شرح هذه المناهج لا تطور المهارات المعرفية. ففي عام 2012 أجريت دراسة أجنبية على شريحة من طلاب المدارس الدولية في مصر لبيان الفروق بين مناهج الوزارة والمناهج الدولية من وجهة نظر الطلاب المصريين، وأثبتت نتائج هذه الدراسة أن أغلبية الطلاب يرون بأن مناهج الوزارة اتسمت بالحشو والكثير من المعلومات التي لا يحتاجها الطالب، بالإضافة إلى اعتمادها على الحفظ والتلقين على عكس المناهج الدولية التي تحفز من مهارات التفكير العليا لديهم.

وعلى الرغم من جهود وزارة التربية والتعليم في تطوير بعض المناهج الدراسية وحذفها بعض الوحدات من بعض المقررات الدراسية، يظل هذا التطوير مفتقرًا للعمق والتركيز على مهارات التفكير النقدي وحل المشكلات. كما أن تطوير محتوي المناهج يلزم التكيف مع طبيعة التقويم الإلكتروني الذي فرضته الوزارة على التعليم الثانوي وترغب في تطبيقه في المراحل الدراسية الأخرى. وفي حالة تطوير المناهج بشكل جذري وفعال، تلتزم الوزارة بتوفير أدلة تشغيلية للمعلمين والطلاب للتدريب على هذه المناهج، كما تحتاج الوزارة إلى إجراء دراسات دورية وتغذية راجعة لتقييم هذه المناهج وتحديد أوجه القصور بها، كما يمكن للوزارة أن تستعين بالخبرات الأجنبية في تصميم وإعداد المناهج مع مراعاة انتقاء ما يتماشى مع طبيعة البيئة المصرية.

ثالثًا: تحديات تنسيق المدارس الثانوية والفنية والجامعات

تطبق مصر نظام التنسيق ابتداءً من المرحلة الإعدادية، وهو ما يمثل تأثيرًا سلبيًا مبكرًا على مبدأ تكافؤ الفرص بين الطلاب، بالإضافة إلى حرمان قطاع كبير من المتعلمين من مواصلة التعليم الثانوي والجامعي، وتكريس نظرة اجتماعية ضيقة بتفضيلها للتعليم الثانوي العام على التعليم الثانوي الفني، وإنتشار مظاهر بيروقراطية مفادها أن تعليم الثانوي العام للقادرين ماديًا، بينما التعليم الثانوي الفني للطلاب محدودي الدخل أو الفقراء. وتشير أحدث الإحصاءات أن ما يقرب من ثلاثة أرباع طلاب الشهادة الإعدادية في مصر يفضلون مدارس الثانوية الفنية على مدارس الثانوية العامة لأسباب مادية. وعادة ما يواجه الطلاب الذين لم يحصلوا على التنسيق المناسب للالتحاق بالثانوية العامة بعض المتاعب متمثلة بدفع رسوم إضافية قد تصل إلى 800 جنيه مصري للالتحاق بالثانوية العامة؛ مما يكرس من إحساس هؤلاء الطلاب بالتمييز وعدم المساواة مع أقرانهم.

وقد أشار تقرير المعلومات الأساسية الصادر عن وزارة التربية والتعليم عام 2011 بأن جودة التعليم في مدارس الثانوية الفنية مشكوك فيها ولا يبدو أن العديد من الطلاب يتعلمون الحرف التي يتم تدريبهم من أجلها. وأضاف التقرير أن وزارة التربية والتعليم تعمل على تحسين الآثار السلبية لنظام التنسيق باتباع إستراتيجية ذات ثلاثة أبعاد، هي:

1. تطوير منهج أساسي بين التعليم الثانوي العام والتعليم الثانوي الفني يضمن للطلاب في كلا المسارين قاعدة مشتركة من المعرفة والثقافة والمهارات.

2. تطوير المدارس الثانوية الفنية وتحسين جودة خدمات التعليم الأكاديمي والفني والمهني التي تقدمها.

3. تطوير طريق ثالث يتم فيه دمج المسارين (الثانوي العام والثانوي والفني) بشكل أفضل؛ يختار فيه الطلاب المهارات والتخصصات التي تناسب احتياجاتهم وأهدافهم؛ مما يخدم احتياجات سوق العمل المصري.

إن هذا الحل ثلاثي الأبعاد بالرغم من صلاحيته ومرونته سيتطلب عددًا من الإجراءات المهمة تشمل ربط جميع نتائج المرحلة الثانوية – سواء العامة أو الفنية – باحتياجات سوق العمل بطريقة أكثر ديناميكية؛ مما يتم اتباعه حاليًا؛ بالإضافة إلى تغيير الطريقة التي يلتحق بها الطلاب بالمدارس الفنية مع تقليل الاعتماد على درجات الامتحانات كتنسيق في نهاية المرحلة الإعدادية؛ وتوفير المعلمين والمعدات والمواد الخام عالية الجودة.

ويضاف النظام المعدل في الثانوية العامة إلى هذه الجهود البناءة التي تبذلها الوزارة للتغلب على مخاطر التنسيق. فمن المتوقع أن يساهم هذا النظام في تحقيق مبدأ مساواة الفرص بين طلاب الثانوية العامة الراغبين في الالتحاق بالجامعات؛ مما يساهم في تخفيف القلق والتوتر عند الأسر المصرية، ويعزز من مبدأ الاختيار لدى الطلاب؛ وهو ما سينعكس مستقبلًا على توفير طاقات هائلة يمكن توظيفها بما يخدم متطلبات المجتمع المصري.

خلاصة

إن خطة التطوير التعليمي في مصر تمتلك أساسيات البيئة التعليمية التكنولوجية، ولكنها تحتاج دعمًا إضافيًا ماديًا وتقنيًا متمثلًا في توفير عدد كاف من أجهزة الحاسب الآلي يناسب الكثافة العددية من الطلاب الموجودين، بالإضافة إلى ضرورة توفير اتصال قوي بالإنترنت يسمح بعرض الأنشطة والمواد التعليمية المختلفة. كما أن الجهود التي تبذلها الوزارة لتطوير المناهج والمقررات الدراسية حققت القليل من التطوير المرغوب ولم تزل في حاجة ماسة إلى تكثيف الجهود نحو تصميم مناهج أكثر حيوية وأكثر ملاءمة للمهارات الذاتية. ويبقي الأمل في تطبيق نظام تنسيق يراعي المساواة وعدم التمييز بين جميع الطلاب في المراحل التعليمية المختلفة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد