كيف تغير الأوبئة من مستقبل التعليم الحديث

يُعد التعليم بشقيه الإلزامي والعالي أحد أهم لبنات بناء أي مجتمع، وركيزة أساسية لأية دولة مهما كان مستوى تطورها أو تأخرها الحضاري.

ومنذ بداية هذا الشكل من التعليم الكمي في بدايات الحضارة الإنسانية، حيث يجتمع عدد من الأفراد بمكان واحد لتلقيهم علمًا ما، كانت دومًا ما تظهر مشكلة تربك هذا الشكل من التعليم وتضطرّه إلى التوقف أحيانًا كثيرة، وذلك عند بداية انتشار أي مرض وبائي يستغل هذه التجمعات البريئة المثالية لتكون مرتعًا خصبا لتغلغله بالمجمتع بشتى طبقاته حيث ينتقل من أحد الأفراد إلى مجموعة المتعلمين لينقل كل منهم هذا الكائن المؤذي إلى عائلته ومحيطه بالخارج. ولنا في الإنفلونزا الموسمية خير مثال على ذلك الانتشار بين العائلات التي لديها أطفال في المدارس.

مع بداية انتشار فيروس كورونا (كوفيد-19)، تكررت هذه الظاهرة، ولكن مع تطور علوم الأوبئة والمجتمع وانتشار الوعي بين الطبقة المثقفة ونفوذ كلمتها في الساحة السياسية والاجتماعية إلى حد جيد، استطاع العلماء تحييد طريقة انتشار هذا الفيروس عبر مراكز التعليم قبل أن يتمكن من استغلالها لصالحه. فرأينا كيف تم إغلاق المدارس في الصين أواخر شهر يناير[1]، وتبعتها اليابان[2] بذات القرار في الثاني من شهر مارس (أذار)، ثم توالت أغلب الدول في تعميم ذات القرار على مراكزها التعليمية حتى وصل عدد الطلاب المتأثرين بذلك كما تذكر صفحة الأمم المتحدة[3] المتخصصة في هذا الشأن إلى ما يقارب المليار ونصف طالب حتى هذه اللحظة ما يمثل أكثر من 80% من أعداد الطلاب حول العالم.

وتشكل هذه القضية ضربة كبيرة للتعليم على المستوى العالمي، فلم تعد حصرًا على بقعة معينة يمكن تجاهلها أو استغلالها لمصلحة سياسية من قبل الحكومات المتناحرة، فالمصيبة واقعة على مستقبل الجميع دون تفرقة، وقد تؤدي إلى تدهور الأجيال في كل مكان.

لكن ما يميز هذه الموجة من الارتباك التعليمي العالمي عن سابقاتها المُهلِكة، أن التطور التقني قد انتقل بالبشرية إلى مكان جديد لم يكن موجودا طيلة التاريخ. فالأجهزة الذكية والشبكة العنكبوتية (الإنترنت) تكاد تكون في كل بيت وشارع بأسعار تقارب الرمزية في أغلب دول العالم. مما سمح للعديد من المراكز التعليمية أن تُنشئ أقسامًا خاصة للتعليم عن بعد بشتى العلوم، وافتُتِحت عدد من الجامعات التي تعتمد بشكل شبه كلي على الانترنت في إيصال مناهجها للطلاب.

إحصاءات وأرقام

ورغم هذا التطور الذي حدث للمنظومة التعليمية لـ«أتمتتها» واستغلال فوائدها الاقتصادية والعملية العديدة خلال العقد الماضي، إلا أنها بقيت لا تستحوذ سوى على نسبة ضئيلة في سوق التعليم الأمريكي لعام 2017 تقارب الـ13% فقط (176.12 مليار دولار[4])، مقارنة بالحجم العام للقيمة السوقية للتعليم في الولايات المتحدة التي تقدر في ذاك العام بـ1350 مليار دولار[5]. أضف على ذلك أنه وحسب إحصاءات أخرى تتساءل عن أعمار الطلاب المستفيدين من التعليم الإلكتروني، وصلت إلى أن متوسط أعمارهم هو 32 عامًا[6]، ما يظهر أنه لم تستطع هذه التقنية من استغلال الشريحة الرئيسة في المسار التعليمي لذوي الأعمار الصغيرة، والذين يشكلون السواد الأعظم من المتعلمين حول العالم.

ونتيجة للتطور والتوسع المستمر الذي يشهده مجال التعليم الإلكتروني، كانت التقارير تشير إلى توقعات بنمو يصل إلى 398.15 مليار دولار بعام 2026[7]، بزيادة 226% عن نتائج عام 2017.

ردات فعل الدول

نأتي الآن إلى الكارثة الصحية والتعليمية التي تعصف عالمنا وكيف قلبت كل هذه التوقعات وضربت بتلك الأرقام عرض الحائط. فمنذ بداية جائحة (كوفيد-19)، وما نتج عن ذلك من توقف للمدارس والجامعات حول العالم، انقسم القطاع التعليمي حتى الآن في طريقة التعامل مع هذا الموقف إلى فريقين. أحدهم أوقف التعليم بشكل كامل مؤقت وطارئ حتى تتضح الصورة لما ستؤول عليه الأمور، وفريق آخر لديه بنية تحتية أفضل في تقنية المعلومات والحوسبة السحابية، استطاع أن يتحول بشكل سلس ومباشرة إلى التعليم الإلكتروني.

فرأينا جامعات عدة في الصين كجامعة دوك كوشان[8]، وجامعة نيويورك شنغهاي[9] وغيرها الكثير، انتقلوا إلى التعليم عن طريق إعطاء المحاضرات كفيديوهات موجهة إلى كل تخصص على مواقع الجامعة، وإرسال الواجبات وتسليمها عن طريق حسابات الطلاب على موقع الجامعة والإيميلات المخصصة حصرا. ونرى ذلك أيضًا في كوريا الجنوبية كما حصل مثلًا في جامعة يونسي وجامعة كوكمين. وكما طُبّق أيضا في جامعة بولونيا في إيطاليا وكلية ترنتي العريقة في العاصمة الأيرلندية دبلن[10].

لم يقتصر الأمر على التعليم العالي، فحتى التعليم الأساسي في دول كثيرة حول العالم تحول بشكل جزئي إلى التعليم الإلكتروني، كما شهدت كوريا الجنوبية[11]، وهانوي عاصمة فيتنام، وحتى في طهران[12] بالرغم من ضعف الإمكانات التقنية في إيران، إلا أن الطلاب بدأوا بإرسال واجباتهم واستقبال دروسهم عن طريق «الواتس آب»!

وفي عالمنا العربي، اختلفت ردود فعل وزارات التعليم، فرأينا تحولًا سريعًا في المملكة العربية السعودية إلى تعليم المنصات الإلكتروني، سواء للمدارس أو الجامعات، وكذلك في الأردن، والإمارات، والبحرين. في حين وعدت دول أخرى كفلسطين والكويت بتقديم الحصص الدراسية عبر الشبكة العنكبوتية بأسرع وقت حين يتم الانتهاء من تجهيز المواد التعليمية[13].

مستقبل التعليم

نرى بعد كل هذه المعطيات والنتائج والتطورات السريعة التي فُرضت على القطاع التعليمي حول العالم بمختلف مراحله، إنها أوصلته إلى وضع جديد فريد، يفضي أننا وبشكل قاطع نتجه إلى نقلة نوعية مهمة جدًا في الطريقة التعليمية.

صحيح أننا بدأنا بالاتجاه نحو حوسبة المواد التعليمية منذ عقود، إلا أن ذلك كان كخطوات الأطفال المتعثرة البطيئة، تارة متأثرين بالإمكانات البسيطة والتطور التقني المحدود المقيّد، وتارة بقصور رؤية العقليات التعليمية والمجتمعية، وكنتيجة لذلك لم يستطع التعليم أن يتحرر من النمط التعليمي الكلاسيكي الذي يعتمد بشكل رئيس على وجود بناء تعليمي يجمع الأستاذ بطلابه في قاعة واحدة بشكل فيزيائي. وبالرغم من كل فوائد ومكاسب هذا الشكل العظيم من التعليم الذي شكل أساسات بناء المجتمعات لقرون طويلة، إلا أننا لا نستطيع إنكار ثبوت نقاط ضعف واضحة فيه لم يكن لانعدام وجودها من بد.

إننا نشهد في ظل هذه الكارثة الصحية التي تواجه جنسنا البشري، تحولًا تعليميًا هامًا سيمتد أثره على المستقبل البشري بشكل سريع ومؤثر، حيث تشكل هذه الأزمة دافعا قويا لدعم التعليم الإلكتروني ونشره وجعله أمرًا مألوفًا متقبلًا وإيصال قدر فوائده التي تظهر في الجانب الثقافي، والاقتصادي، والاجتماعي، وحتى السياسي!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تحميل المزيد