ولأنّ صلاح الأمة بصلاح تعليمها، وصلاح تعليمها بصلاح المعلّم، ولأنّ التعليم الابتدائي هو المرحلة الأساس لجميع المراحل التعليمية وأصعبها على الإطلاق ذلك أنه مرحلة التكوين الشخصي والبناء الفكري للطفل، كان لزاما على أيّ دولة تُولي التعليم أهمية أن تختار معلّميها بعناية فائقة قصد تأديتهم لدورهم التعليمي بسلاسة ودون إحداث فجوات وعُقد في نفسية الطفل قد تتحول مستقبلا إلى تشوّه نفسي ملازم له.

في الدول المتقدمة يُعتبر اختبار مسابقة توظيف المعلّمين من أصعب اختبارات الوظائف فلا يمكن لأيّ كان أن يتقدّم لوظيفة التعليم الابتدائي إلا إذا كانت له خبرة في التعامل مع الأطفال في دورات تكوينية بقيادة وتوجيه مدرّبين وأخصّائيين بعدها يجتاز الاختبار النفسي حتى إذا تبيّن أنّه شخصية متكيّفة صبورة متميّز بروح الدعابة والخيال يجيد تقمّص الأدوار العاطفية يمرّ حينها إلى الاختبار الأخير.. الامتحان المعلوماتي واختبار مدى مهاراته التواصلية مع الأطفال ومدى اطلّاعه على أسس علم النفس التربوي.. فالتحكّم في أزِمّة المعلومات عندهم آخر شرط لتأهيل الفرد لممارسة التعليم.

عندنا في الجزائر الداخل إلى التعليم لا بد أن يمرّ على مسابقة التوظيف كباقي الوظائف الحكومية الأخرى، ربما الفرق الوحيد أنّ في المسابقات الأخرى يُشترط على المترشح للمسابقة تخصصًا بعينه بما يتلاءم والوظيفة المتقدّم لها، أما في التعليم فقد أُطلق الحبل على الغارب فأصبح التعليم الابتدائي مُتاحًا لكل من يحمل شهادة جامعية في أيّ تخصص كان بعد أن كان مُقتصرًا في السنوات المنصرمة على تخصصات الهوية الجزائرية (لغة عربية، وعلوم إسلامية، وتاريخ) إضافة إلى تخصص علم النّفس التربوي.

هذا التطوّر المفاجئ جعل من مسابقات التعليم مهازل بعد أن قارب عدد المترشّحين لمسابقة العامين المنصرمين مليوني مترشح، حدث هذا في نفس البلد الذي يزعم أنّ إحصائيات البطالة عنده لا تتجاوز المليون بطّال، ناهيك عن حالات الغشّ بين أساتذة المستقبل وعن المناصب التي مُنحت بالوساطات ولمن يدفع أكثر وهلمّ شرا!

ما جئت بهذه المقارنة السالفة الذكر إلا لأدلّل على أنّنا نختار معلّمينا بطريقة عشوائية أفرغت التعليم من رسالته السامية والنبيلة، فصار الوجهة المفضّلة لكل جامعي برتبة بطّال سواء كان أهلًا للمنصب أم لا، المهم هو هربهم من شبح البطالة القاتل والذي طالهم لسنوات، وبغضّ النظر عن كل الذي أسلفنا، كيف يُعقل أن يدرّس الابتدائي من يحمل شهادة لا علاقة لها بالتعليم لا من قريب ولا من بعيد؟!

صحيح أنّه يوجد في أصحاب التخصصات الأخرى من هو أكفأ وأقدر على العملية التعليمية من حامل شهادة في التخصص، لكن عليهم أن يعلموا أنهم ضحيّة منظومة تربوية فاشلة مثلهم مثل غيرهم من أطراف العملية التعليمية، فخطوة فتح تعليم اللغة العربية لجميع التخصصات بما فيها تلك التي تكوّنَ خريجوها بالفرنسية أكبر من كونها عملية امتصاص غضب البطالين من أصحاب الشهادات الجامعية، إذ كان بإمكان الدولة بمختلف مؤسساتها أن تفتح لهم مناصب في تخصصاتهم وفي الميادين التي يستحقونها ويرون أنهم سيبدعون فيها لخلق عملية توازنية في نظام المسابقات والوظائف بين حاملي الشهادات الجامعية.

أقول إن هذه الخطوة أكبر من هذا التصوّر لأنّ الوزيرة ومنذ تولّيها منصب الوزارة تسعى جاهدة لفرنسة المدرسة الجزائرية وتغريبها وطمس معالم هوية الشعب الجزائري من لغة ودين وتاريخ خاصة أنّها تعتزم إلغاء مادة التربية الإسلامية من مقررات الثانوية في قادم الأعوام بعد أن ألغت في السنوات السابقة البسملة من الكتب المدرسية، فهي تسير بطريقة ممنهجة لتجهيل النشء بداية بضرب المعلّم والمنهاج اللّذان هما أساس الحركة التعلميّة!

أنا لا أقول لأيّ كان لا تُشارك في مسابقات التعليم وليس من حقّي أن أقول هذا.. لكن أقول للداخلين لميدان التعليم كفرسان على صهوات جياد بيضٍ، ليستفت كل منكم قلبه ولينظر أهو أهل لأن يكون معلّمًا للنشء وقدوة أم لا، وتذّكروا أنّ صلاح الأمة مرهون بصلاح تعليمها وأنّ مهمّة المعلّم رعاية فسيلة جيل إن هو أحسن رعايتها وسقايتها كان نتاجها خيرًا للأمة وإن لا، فشرّ ووبال، لأن الوضع التعليمي إن استمرّ على ما هو عليه من انحطاط وانحدار فلن تُخرج لنا المدرسة مستقبلًا إلا جيلًا مُهجّنًا من الدجاج البشري وقد أُفرغ من كل القيم والمبادئ.

فالمعلم ليس موظفًا يتعامل مع جمادات وآلات تشتغل بالأزرار، بل هو بصدد التعامل مع عقول متطورة عليه أن يرعاها ويتعهّدها وأرواح نابضة عليه أن يربّيها ويزكّيها، فدوره ليس التلقين فقط إنما تطوير مهارات تلاميذه الجسدية والاجتماعية، والفكرية، وتعزيز ثقتهم بأنفسهم وتوسيع مداركهم وخيالهم وتحضيرهم للمراحل التعليمية التالية.

لأنّ التعليم أكبر من كونه وظيفة للاسترزاق وكسب لقمة العيش، فهو أمانة ورسالة متمّة لرسالة النبوّة التعليمية، فالمعلّم الحقّ شمعة تُذيب نفسها لأجل أن تنير طريق أجيال المستقبل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك