إذا كنت قد نلت شرف الدراسة في المدارس المصرية الموقرة فحاول معي أن تتذكر أيام الدراسة الأليمة وأخبرني: هل كان معلموك ينجحون عادة في إقناعك بجدوى دراستك لكل مادة دراسية؟

«لم يحاول أحدهم أصلا»، «ولا جدوى الدراسة في المدرسة أصلا»، «كل مدرس كان يدخل في المنهج مباشرة».

تخيل أن صديقًا لك قرر أن يعلمك كيف تصنع فطيرة التفاح، لكنك لا تريد أن تتعلم لأنك لست مقتنعا بأنك ستحتاج إلى هذا أبدا، فهل ستتعلم منه شيئا؟

سيبدأ هو في الشرح، وتتركه أنت يكمل كلامه بصبر وملل حتى يفرغ ثم تنسى كل شيء.

الأكثر من هذا، ماذا لو بدأ هو بالشرح مباشرة دون حتى أن يوضح لك حقيقة الموقف هنا (أنه يريد أن يعلمك طريقة صنع فطيرة التفاح)، فدخل في الموضوع مباشرة: «أحضر كيلو دقيق وكيلو تفاح وسكر واغسل التفاح وقم بتقطيعه و… »

ستستمع أنت في دهشة وملل حتى ينتهي دون أن تفهم ماذا يريد منك بالضبط، أو ستقاطعه بحدة: لماذا تقول لي هذا الكلام أصلا؟

ماذا لو كان هذا الشخص الذي يريد تعليمك ذا سلطة عليك، كأمك مثلا. قد تضطر إلى التحمل بأدب، أو تتملص منها ضاحكا: أنا لا أحب الطبخ ولا أحب فطيرة التفاح أصلا!

جرب الآن أن تبحث عن أحد معارفك من طلاب المدارس (والأفضل أن تنتقي طالبا مجتهدا) وتسأله بعد أول يوم في الدراسة: لماذا تدرسون مادة اللغة العربية في المدرسة، أو ماذا ستدرسون في مادة التاريخ هذا العام؟ ولماذا؟

الإجابة ستريك بالضبط حجم المشكلة التي نحن فيها: هذا تعليم يحاول جاهدا أن يملأ القربة المثقوبة دون أن يسد الثقب.

لا جدوى من محاولة تعليم شخص شيئا ما إلا إذا كان مقتنعا بأنه يجب أن يتعلم هذا الشيء. هذا يعني شيئين: أن المتعلم يجب أن يفهم أولا ما هو بصدد تعلمه، وثانيا أن يكون مقتنعا بذلك، بل وراغبا فيه.

 

بسبب قناعتي بذلك كنت أقضي أول حصة دراسية لي مع فصلي الجديد في مناقشة جدوى هذه المادة (اللغة العربية) وهل يحتاجون حقا لتعلمها أم لا. كما هو متوقع مع تلاميذ صغار السن فهم يبدأون بالمزاح من قبيل «هو بمزاجنا؟» و«لو علينا مش عايزين»، لكنهم يستجيبون بعد قليل. عندما تناقشهم بجدية، وتستمع لآرائهم وتحاورهم وتجاري منطقهم تسترعي انتباههم في النهاية بشكل مدهش، ويمكنك عندها إقناعهم بالمنطق السليم.

لكن ماذا لو كان ما يتعلمونه نفسه خطأ؟ ماذا لو كان المدرس نفسه غير مقتنع بما يدرّسه؟

كيف تجيب طالبا صغيرا على هذا السؤال: لماذا يجب أن أحفظ كذا وكذا بينما يمكنني الوصول إلى المعلومة في ثوان؟ هو محق. هذا محض عبث.

 

يقول سوجاتا ميترا (البرفسور الهندي المتخصص في مجال التعليم): «أنت تطلب من طلابك حفظ كمية معلومات غبية، وهم لا يفهمون  السبب، لقد نشأوا في عالم يتحركون فيه وهم يحملون كل تاريخ المعرفة الإنسانية في جيوبهم».

لماذا يجب أن يحفظوها إذن؟

لو أن حضرتك – كمدرس – تعتقد أن عملك هو مساعدتهم على حفظ بعض المعلومات فاعلم حضرتك أنهم لا يحتاجونك في شيء، وهم يدركون هذا، ويدركون أيضا أن وظيقتك هذه لم يعد لها قيمة في هذا العالم.. هم فقط مهذبون بما يكفي كي لا يقولون لك هذا في وجهك!

لقد جاء هذا الجيل إلى الدنيا ليجد الكمبيوتر من أساسيات الحياة، فتعلموا استخدامه ببساطة وبطلاقة كأنهم يتحدثون لغتهم الأم، بخلاف الأجيال السابقة التي مازالت تنبهر بقدرات الكمبيوتر وتلهث وراء تطوره السريع وتعجز عن استيعاب ومواكبة الكثير مما يطرأ في هذه المجال. نحن نتحدث لغة الكمبيوتر كلغة ثانية.

هم يستوعبون اللغة الجديدة ويفكرون بها، وهم فقط من يستطيعون الإبداع بهذه اللغة، بينما نحن محدودون بالمواكبة والمسايرة والتقليد. نحن كان علينا أن نحفظ كميات ضخمة من المعلومات لأن طبيعة العصر كانت تتطلب ذلك. كنا نقرأ كتبا كاملة بحثا عن معلومة بعينها، بينما هم يمكنهم الآن العثور على المعلومة نفسها بلمسات سريعة على هواتفهم المحمولة.

الإصرار على تعليمهم كما تعلمنا سيفقدهم إجادتهم للغتهم الأم وسيجعل منهم أبناء لعصر ولى ومضى، كأهل الكهف الذين خرجوا إلى العالم بعقول تنتمي إلى زمن بائد يعجز عن فهم ما يدور حوله.

هل أصبحت المدرسة إذن بلا جدوى؟

بصورتها الحالية، نعم. هذه مؤسسة تكرس جهدها لتلقين الطلاب أكبر كم ممكن من الموروث المعرفي الذي تمتلكه، هذا الموروث هو نفسه الذي كان متاحا لديها منذ قرون. ماذاعن الكم الهائل من المعلومات الذي ظهر بعدها؟ ماذا عن أضعاف أضعاف هذا الموروث الذي سيجد هؤلاء الطلاب أنفسهم أمامه بعد المدرسة جاهلين به عاجزين عن استيعابه أو التعامل معه؟

السؤال هنا: لو توقفنا عن مطالبة الطالب بحفظ المعلومات، ماذا نعلمه إذن؟

هل سمعت عن امتحانات الكتاب المفتوح؟ هذا النوع من الامتحانات لا يسألك «متى قامت الثورة العرابية» و«ما ارتفاع قمة جبل كليمنجارو؟»، وإنما تقيس قدراتك على الفهم والتحليل والنقد وحل المشكلات، وهي المهارات التي تتعلمها في النظام الذي يعتمد هذا النوع من المتحانات.

الطالب لا يجب أن يتعلم، بل يجب أن يتدرب على أن يتعلم. يتدرب على استخدام المهارات التي يتميز بها الإنسان ويعجز الكمبيوتر عن القيام بها.

يتعلم استخدام الكمبيوتر نفسه وإدارته وتطويره والإضافة إليه وتوظيفه في المكان الصحيح.

هل سمعت عن (سيري)؟

(سيري) هي برنامج ذكاء صناعي متكلم، موجود على أجهزة «آيفون» و«آيباد» الخاصة بشركة «أبل» الأمريكية. وهو برنامج من فئة يسمونها الآن «المساعد الشخصي». لتتحدث مع (سيري) ما عليك إلا أن تضغط ضغطة طويلة على زر الآيفون وتقول سؤالك. (سيري) تستطيع مساعدتك في عشرات الأمور. اسألها عن أية معلومة أو عن حال الطقس، أو كم الساعة الآن في لندن، أو عن ناتج عملية حسابية معينة أو عن أسعار الأسهم في البورصة أو …

لكن (سيري) لطيفة أيضا، فيمكنك أن تسألها من أنتِ؟ أو من صنعكِ؟ أو تطلب منها أن تخبرك «نكتة» وسترد عليك كأنها شخص يتحاور معك.. يمكنك أن تتهمها بالغباء وسترد مدافعة عن نفسها! باختصار (سيري) هي مشروع «روبوت» يحاكي البشر، لكنه بلا جسد حتى الآن. وبالمناسبة يمكنك التحدث مع (سيري) باللغة العربية!

و(سيري) هي مثال فحسب وإن كانت هي الأشهر، لكنها ليست الوحيدة، هناك برامج مشابهة تقوم بالوظيفة نفسها، منها: (أليكسا) من شركة «أمازون»، و(كورتانا) من شركة «مايكروسوفت»، وحتى خدمة «جوجل الآن» تندرج تحت التصنيف نفسه.

لكن (سيري) في النهاية غبية. لا تفهم. لو جربت مثلا أن تقول لها: «يا (سيري)، اتصلي بأخي محمود»، فإنها سترد بغباء «لم أعثر على (أخي محمود) في قائمة جهات الاتصال»! فربما تحاول أن تشرح لها: «يا سيري، محمود عبد العاطي هو أخي». قد ترد سيري بعبارة مجاملة من قبيل «حصل لنا الشرف»، لكنها في النهاية لن تستجيب عندما تطلب منها لاحقا أن «اتصلي بأخي».

الكمبيوتر يتفوق في حفظ البيانات ومعالجتها وتحليلها وفي العمليات الحسابية، لكنه في النهاية لا يفهم. أنت من يضع له القواعد وهو يتبعها حرفيا.

الكمبيوتر موظف ذو قدرات خارقة، لكنه يعجز عن العمل إلا تحت إشراف مدير ماهر واعٍ، هذا المدير هو الطالب الذي نعده نحن في المدرسة. وبالنظر لما نفعله الآن فنحن نعد مديرا يرغب في أن يلقي أعباء العمل جميعها على موظفيه دون حتى القيام بمهامه الإدارية.

 

وبعد كل هذا ما زلنا نعتمد التلقين طريقة وحيدة في نظامنا التعليمي. صحيح أن المنظومة كلها تعلمت فشل هذا الطريقة، وأصبح الجميع من الوزير إلى أصغر مدرس يردد دائما أننا نسعى لاستخدام «الطرق الحديثة» بدلا من أسلوب التلقين، لكنه كلام فحسب. هم لا يجيدون إلا هذه الطريقة. وحتى إن قرأوا عن طرق حديثة في التدريس، فهم لم يتدربوا عليها.

التدريب أهم من التعليم. التدريب للمعلم والتدريب للطالب. وما دمنا مولعين بالأسماء والشعارات، فلعل تكون فكرة جيدة أن نغير اسم الوزارة إلى «وزارة للتربية والتدريب»، لعل الاسم يرشدنا إلى الاتجاه الصحيح.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

التعليم, مصر
عرض التعليقات
تحميل المزيد