في سبتمبر 2009، تم استبعاد فريق الطلاب الممثل لمعهد آريل الإسرائيلي من منافسة علمية نظمتها إسبانيا ويطلق عليها اسم عُشاري الطاقة الشمسية، يشارك في تلك المنافسة طلاب وباحثون من أنحاء العالم بمشاريع لتصميم وحدة سكنية مستقلة تدار بالكامل بالطاقة الشمسية فقط، وبأعلى مستوى ممكن من الكفاءة والرفاهية.

جاء في أسباب قرار الاستبعاد الذي صوتت لصالحه اللجنة المشرفة على المنافسة أن الحكومة الإسرائيلية في هذه الأثناء قامت بتحويل معهد آريل من مركز علمي مستقل إلى جامعة حكومية رغم وقوعه في أراضي محتلة (مستوطنة آريل) خارج حدود الدولة، ورأى المنظمون أن ذلك يتعارض مع آداب ونزاهة المنافسة كما أشار المنظمون إلى أن القرار جاء بإيعاز من الحكومة الإسبانية ووفقًا لالتزاماتها الدولية، حاول الوفد الإسرائيلي التظلم من القرار متعللًا بضياع مجهود الطلاب في العمل لمدة عامين متواصلين بالإضافة لتكلفة البحث وبأهمية وقيمة مشروعهم المقدم للمسابقة.

قوبل طلبهم بالرفض وقد كان قرار الاستبعاد يحمل تحديًا كبيرًا، هذا الخبر مثّل استثارة بحثية دفعتنا لتناول التجربة التعليمية الإسرائيلية بالدراسة، فتلك التجربة الاستثنائية في تلك الدولة الاستثنائية ذات الأوضاع الاستثنائية من الطبيعي أن ينتج عن دراستها وفحصها نتائج استثنائية.

كعادتها دائمًا تحاول إسرائيل توظيف وسائل الإعلام وأدوات التأثير المتاحة لتصدير صورة نموذجية وأحيانًا خارقة لأنشطة قطاعاتها الحياتية المختلفة، فقد اصطدمنا أولًا بجدار سميك من الإحصاءات المدلسة والعبارات المجتزئة من تقارير لمؤسسات دولية لإعطاء انطباع جازم بأن إسرائيل هي أفضل دولة في العالم في مجال التعليم والبحث العلمي، وأن الكوكب مندهش من التجربة التعليمية الإسرائيلية، وما أن تجاوزنا هذا الحائط فقابلنا آخر يتمثل في البيانات والمعلومات الحكومية الرسمية والتي مع وفرتها وإخراجها المتقن فإنها تخفي أكثر مما تعلن وتأخذ ممن يطالعها أكثر مما تعطي له، لكن بعد عدة مقاربات توصلنا إلى أن المكان الوحيد في إسرائيل الذي تناقش في مشكلات فئات المجتمع المختلفة بشكل صريح ومتقد هو النقابات، حيث يختلط العام بالخاص وتصارع كل فئة لتعظيم منافعها وتحاول أن تكشف سوءات غيرها لتحصيل امتيازات أو تحسين ظروفها المهنية.

تحوي التقارير والمحاضر النقابية مناقشات وشكاوى المعلمين والأساتذة حول موضوعات بعينها بعضها يتعلق بالمستوى الدقيق مثل مشكلات تحدث داخل المدارس أو قاعات الدراسة، وبعضها يدور حول المستوى الوسيط المتعلق بالقطاعات والمؤسسات، والبعض يصنف في المستوى العام فيأخذ الطابع القومي أو الوطني.

تم ترتيب المشكلات التي تم تناولها على حسب درجة إلحاح كل منها وأهميتها من وجهة نظر المتخصصين من داخل إسرائيل نفسها، وكذلك على قدر الأثر الذي تخلفه على المستوى المجتمعي والتعليمي فجائت النتيجة كما يلي:

المشكلة الأولى: التعليم الديني المتشدد

ويطلق عليها في إسرائيل اسم “مدارس الحريدية”، وهي كلمة عبرانية تترجم إلى التقوى وتعني السلفية أو الأرثوذكسية، ويرى القائمون على هذا النوع من التعليم أنهم في مهمة مقدسة ألا وهي تدريس التوارة والتلمود والتعاليم اليهودية دون غيرها من علوم الدنيا، وتخريج شبان يحملون تلك التعاليم للمجتمع الإسرائيلي فيعملون على تثبيت الهوية اليهودية للدولة والتصدي لتيارات العلمنة والانحلال التي يحملها بعض المنتسبين شكلًا للمجتمع اليهودي، وفي ذلك يقول الحاخام عساف أفيتان مدير إحدى المدارس الحريدية: “نحن ندرس هنا لخمسمائة طفل بين الخامسة والخامسة عشر نعلمهم دراسة التوراة التي تعطي الروحانية، بعيدًا عن الرغبات غير الضرورية فينقون من السعي وراء المادة، فنحن نريد محاكاة طرق أجدادنا في دراستنا للتوراة وإذا لم نفعل فلن تبقي التوراة الـتي وفرت لنا الحماية لآلاف السنين”.

وتقوم تلك المدارس بتعليم الأولاد مبادئ الإنجليزية والعلوم والحساب كمواد دراسية جانبية تعطى للطالب في السنوات الأولى فقط، وبما لا يؤثر على التوجه الأساسي للمدرسة وفي ذلك يقول أفيتان: “إذا كرسنا وقتنا للدروس العلمانية فلن يكون هناك وقت للإيمان”.

 

مقال1
صورة من داخل قاعة دراسية في مدرسة دينية يهودية حيث تعتبر التوراة هي العلم

 

في المقابل يرى التيار المدني أن المدارس الدينية المتشددة أو ما يعرف بالمدارس الحريدية بهيئتها الحالية تشكل معضلة تربوية واجتماعية خطيرة حيث إن خريجوها لا يملكون من المهارات ما يمكنهم من الانخراط بثقة مع نظرائهم في المجتمع فيضطرون للانزواء والانغلاق على أنفسهم واصطناع محيطًا اجتماعيًّا منعزلًا حيث الأفراد متشاركون في الأفكار، متقاربون في السمات والقدرات.

على المستوى الاقتصادي فإن أكثر من 50% من خريجي تلك المدراس لا يعملون، لذلك فإن مظاهر الفقر تغطي أحياءهم فيما يعتبرهم الآخرون عالة على المجتمع العامل بقلة إنتاجيتهم وكثرة إنجابهم واستنزافهم لخدمات ومساعدات حكومية مكلفة، ودعا البعض لزيادة جرعة المواد الدراسية العادية في تلك المدارس لتمكين الشبان من اختيار مستقبلهم على الأقل، فإما الاستمرار في العلم الديني البحت وإما التوجه لسوق العمل.

ويقول دان بن ديفيد وهو رئيس مركز بحثي اجتماعي: “إن داخل إسرائيل توجد دولتان، الدولة الحديثة العصرية والدولة الأخرى هي الفقيرة غير المنتجة وغير المؤهلة، والمشكلة أن تلك الأخيرة هي الأسرع نموًا بمعدل 8 أطفال للأسرة الواحدة”.

يذكر أن الكنيست قد أقر في يوليو 2013 قانونًا يجبر خريجي هذا النوع من التعليم على أداء الخدمة العسكرية أو الخدمة العامة المدنية لأول منذ قيام إسرائيل استجابة لضغوط متصاعدة من التيارات العلمانية على أن يبدأ تطبيق هذا القانون تدريجيًّا في 2017، وقد أدى ذلك لاندلاع مظاهرات عنيفة وإضرابات من جانب الحريديين، وذهب بعض قادتهم من الحاخامات إلى أن هذا القانون يمثل خرقًا للمواثيق الأساسية للدولة الصهيونية وخروجًا على الأعراف الهادفة للحفاظ على الهوية والعقيدة اليهودية.

 

مقال

مظاهرات تلاميذ وخريجي المدارس الحريدية ضد التعديلات الخاصة بهم في قانون التجنيد الإلزامي، مارس 2013

من الضروري أيضًا أن نعلم أن عدد تلاميذ مدارس الحريدي وصل في 2013 إلى 270 ألف تلميذ، ومن المتوقع أن يصل إلى 310 آلاف بحلول 2017 بنسبة نمو تفوق 15%، بينما سيصل عدد تلاميذ المدارس الحكومية لنفس المرحلة العمرية من 670 ألف في 2013 إلى 699 ألف في 2017 بنسبة نمو 7.3%، أي تلك الأخيرة تنمو بمقدار يقل عن نصف الأولى.

(يتبع)

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد