التربية بين الجيلين المتأخرين وأثرها على أجيال المستقبل

تعلمنا أكاديميًّا منهجية معينة، وهي ضرورة التعريف بما ستتكلم عنه قبل الشروع في تفاصيله وإيضاحه؛ لذا سنقوم بتعريف التربية، والجيلين المتضاربين المتقاطعين، وأجيال المستقبل.

التربية: قالت العرب: ربا الشيء ربوًا وربوًا: نما وزاد قال الله تعالى: (فإذا أنزلنا الماء اهتزت وربتْ) ويقال ربا الرجل الغنم أي اعتنى بها حتى نمت وزادت؛ لذا التربية معناها النمو والزيادة.

أما اصطلاحًا: فهي الانتقال من حال إلى حال قد تكون أحسن وقد تكون أسوأ، والتربية أنواع ومنها عقلية، وخلقية.

أما العقلية: فتستهدف العقل من خلال العمل على ترقيته وتطويره ومده بشتى المعلومات والمعارف، أما التربية الخلقية: فهي تزويد النفس بما يرتقي بها أخلاقًا، وتزكيتها والارتقاء بها روحيًّا.

الجيلين الأول: نستطيع أن نقول إن تاريخ بدايته من بعد الاستقلال إلى غاية منتصف التسعينيات، وهو في مشواره التربوي التعليمي له فلسفته ووسائله وطرقه الخاصة به، سنذكرها في قادم المقال.

أما الجيل المناوئ له: هو الذي يأتي تاليًا له نستطيع القول: إن تاريخ بدايته من التسعينيات إلى يومنا هذا، وهو كذلك له طرقه ووسائله ومقرراته وأفكاره الخاصة التي تميزه عمن سبقه وحتى عمن سيأتي من بعده.

الجيل المستقبلي: وهو الجيل الحالي الذي يعجن ويخلط داخل الماكنة التربوية التعليمية للجيل التالي لجيل حقبة مابعد الاحتلال .

سأبدأ أولًا بالحديث عن جيل مابعد الاحتلال وما فعله في حق التربية، وفي حق الأجيال سلبًا كان أو إيجابًا، أعرف أن الأقرحة المنغلقة الحاملة لبذور التحجر والتزمت الساكنة في الماضي جسدًا والأمر قلبًا لن ترضى بما أقول، ولن يعجبها ما أقول؛ لكن ما سأبوح به هو بوح اللسان الناقد؛ النقد المراد من ورائه الكثير كمعرفةِ الأخطاء والوقوف عليها وتصويبها حتى لا نقع فيها مجددًا، وبالتالي تدور بنا الدائرة كما دارت بالأجيال المنتهية.

كما أني مؤمن أن للحضارة عدة أبواب وأهمها باب العلم والمعرفة؛ لذا فباب العلم لا بد من الوقوف عليه لصناعته بأبهى صورة ممكنة.

نعود للحديث عن جيل ما بعد الاستدمار هو جيل ذو طرق ووسائل قديمة أكل الدهر وشرب عليها، ولم تعد بمكان ولم يترك لها الزمان مكان، جميعنا نعاني من أخطائه، إلا أن أخطاء الجميع قد تغتفر وتنسى، وقد لا يذكر لها أثر إلا أخطاءه؛ فهي تجري في الأمة والإنسان مجرى الدم، لذلك هي شديدة الحساسية وأبقى.

وما تعانيه مجتمعاتنا من تدني أخلاقي، وعنف وقسوة وبلادة في التفكير وتفاهة في الطموحِ؛ من صنيع هذا الجيل أو له اليد الطولى فيه من باب الإنصاف.

أهم ما ميز مرحلته السياط الذي تفنن في اختيار نوعه من حيث كفاءته في الإيذاء، وارتفاع الأصوات والتكشير عن الأنياب في غير محلهما.

لم يكن يعرف في يومه الماضي أن التربية بالعقاب ستترك في جيل كامل أو ربما أجيال علل خفية وظاهرة.

جيل خلّد من بعده حكايات لا تنتهي أحيانًا ساخرة، وأحيانًا مؤلمة وحزينة بطلها -المربي الجلاد- وعنوانها التربية بالمصارعة أو التربية بالتي هي أخشن وأعنف.

لم يدرس في معاهده المزعومة على التربية والتعليم بهتانًا أن المعلومة والقيمة لا طريق لغرسهما سوى طريق اللين واللطف واللباقةِ، وأن التربية بالقسوة والخشونة لن يأتي من ورائهما إلا القسوة والخشونة.

ومما كان مركزًا ومعتمدًا عليه عند هذا الجيل خاصية الحفظ؛ الحفظ الذي لا يسبقه فهم ولا يختلجه تدبر ولا يتبعه إشكال.

ومن وحي الذاكرة الضحية لجرمه بفهم منطقي ووسيلة تنشئة مباركة بفهمه المؤيد من شرائح المجتمع في تلك الحقبة التاريخية، لن تنسى ذاكرتي ذلك المدرس الضخم طولًا وعرضًا الذي كان يقف أمام باب المدرسة قبل الأوان؛ لترتعد منه فرائسنا وليبدأ بضربنا؛ لأننا لم نأت قبل الوقت بعشرِ دقائقٍ أو تزيد. إلا أن هذا الإصرار على التقويم بهذه الطريقة الحولة لم يجعل منا سوى متأخرين، والواقع كفيل بتبيان ذلك.

لن تنسى ذاكرتي ما تعرضنا له من جلد وعنف من أجل جدول الضرب الذي هو كذلك لم يوفق في ترسيخه. ومما اعتمد عليه كذلك خاصية التلقين بالعنف فهو ملقن بالدرجة الأولى حيث كان التلقين بالنسبة له الخطوة الذكية، بالإضافة إلى أنه لم يكن يعنيه من أي اتجاه خصوصيات وفوارق الملقَّنينَ لأنه كان ينظر إليهم على أنهم مجرد نسخ مكررة فقد مر الكثير منهم على يديه، ولا علاقة له بما وراء نفسية الطفل.

التحفيز على التفكير وطرح الإشكال لا حيز له في المنظومة المطروحة، الكبت والإسكات والوصف بالهرطقة في حالة إبداء محاولة اختلاف أو اعتراض، وحجب التفكير وقطع أوصاله هو الديدن والأصح.

للحضارة مؤشرات وخصائص كثيرة منها الموضوعية؛ لذا سنكون موضوعين معه ونراجع ما بدأ، وهو أن طريقته المتبعة ليست مكتسبة بقدر ما هي مزيج منه ما هو وراثي محض، ومنها ما هو مكتسب ممن يحيط به.

أما جيل ما بعد جيل الاحتلال: فهو جيل أقل ما يوصف به أنه متمرد، فهو جيل قادح في طرق ووسائل من كان قبله، ومما اختص به هذا الجيل وميزه عن غيره خاصية التربية بالتي هي أحسن فهو معارض ومجرم لما كان يحدث في حق المتعلم من قسوة وعنف وأنا شخصًا أصفه بجيل الإحياء أي أنه يبعث قيم الحياة.

اللين واللباقة والطرافة لا يرى سواهم سبل لغرس القيم السامية والأخلاق الرفيعة؛ فهو يرى أن ما تعيشه الآن مجتمعاتنا من خشونة في المعاملة فيما بينها، وما بينها والآخر بالنسبة لها، وما تشهده من عنف وقسوة؛ هو نتيجة حتمية لما كان يتعرض له الطفل في مدارسه التربوية التعليمية.

التلقين بينهم مسافات فهو لا يرى التلقين وسيلة مناسبة كما يراها ويعتمدها الجيل الذي سبقه، بل هو يرى أن مشاركة المتلقي في ما يطرح لهو ضرورة لا غنى عنها .

كما يرى أن التلميذ هو السيد في المدرسة لذا لا بد من معاملته معاملة السيد بالاحترام والتبجيل. كما أنه قلب الهرم التربوي المعروف ليصبح في قمته السيد التلميذ الذي يأتي من بعده الأستاذ، ولا ريب أن رفع الصوت يختفي في حضور السيد فضلًا على رفع اليد.

يعتمد في تدريسه بشكل كبير على إثارة مناطق التفكير لدى المتلقي، فالمتلقي إذا لم يفكر ولم يسأل ولم يعترض فهو يعاني؛ لذا فتكوين جيل مفكر هو هدفه الأسمى، فهو يريد إخراج جيل يسأل حتى ولو كانت أسئلة عميقة جريئة فالخوف بالنسبة له ليس ممن يسأل بل ممن لا يسأل، أو له أسئلة لكن الحول يجرمها، فالشخص المكبوت كالقنبلة قابل للانفجار في أية لحظة لكن انفجار الشخص المقهور المؤكد أن عقباه لن تحمد بأي شكل.

هو جيل يعمل على صناعة أدمغة وأقرحة غير مكررة بل ذات ألوان مختلفة.

البهجة والسرور لا يفارق محياه تجاه من يتربى على يديه يسأل ويستأنس بابنه التلميذ ويستوحش إذا ما غاب.

يبتكر ويبدع من خيال ذهنه ما يوصل المعلومة بشكل راق، وما يجعلها راسخة.

يستعمل التكنولوجيا في إيصال المعرفة على النقيض من مربي ما بعد الإستعمار الذي بينه وبينها حجاب إلا من رحم ربك، ولم يعرف للورق بديلًا ومما هو مضحك مبك أنك تجد البعض منهم يصر على عدم اكتساب أي خبرة في مجال التقنية بحجة كمن احتج منا بحرمة الطابعة في يوم من أيامنا الضنكة.

 

ومن الآثار العديدة المختلفة، التي تركها جيل التربية بالتي هي أشد؛ القسوة والعنف، فهذه القسوة وهذا العنف المشاهدان في واقعنا المرير؛ أكاد أجزم أن سببهما الرئيسي يعود إلى ما تلقينا من قسوة في محاضننا التربوية سواء في المؤسسة التربوية الأولى الأسرة، أو المؤسسة التربوية الثانية المدرسة، أو حتى من المجتمع الخارجي بصفة عامة.

كما أنني أكاد أجزم أو متأكد من ذلك أن الدروشة وغياب الجرأة في المجالات الثقافية والعلمية الملاحظة علينا كأبناء مجتمع مخصوص، تعود إلى العقلية القاسية، التي كانت تقهرنا، وتكبتنا وتتعامل معنا بقسوة في مشوارنا التربوي، ومن الآثار الناجمة عن التربية بالتي هي أخشن الانطواء وعدم التفتح على الآخر سواء كان هذا الآخر قريبًا ابن المجتمع، أو بعيدًا ابن المجتمعات المجاورة. ومما هو ناتج كذلك عن التربية بالتي هي أخشن أن المتشرب لها لن يعامل غيره إلا بما عومل؛ فإذا كان معلمًا فالسياط والإسكات سيد الموقف، وإذا كان مديرًا فالتسلط والنظرة الدونية هما سيدتا الموقف، وإذا كان رئيسًا فالنتيجة الحكم مدى الحياة.

ومما أنا موقن أنه نتاج لهذه العقلية الغابرة المتسلطة؛ ظهور الشخصية المتسلطة أو الشخصية العاشقة لكل ما هو مُتسلط متجبر، ومما هو ملاحظ في بيئتنا العربية حب المراهق العربي للشخصيات المتجبرة كالحجاج ابن بيئته أو هيتلر ابن البيئة السفراء. لماذا لم نسأل أنفسنا يومًا؟ لماذا أبناؤنا يكبرون ويكبرُ معهم حب هذه الشخصيات المنبوذة منطقيًّا وإنسانيًّا وفطريًّا.

والمؤسف أن عقلية جيل ما بعد الاحتلال لم تختفِ يومًا من عالمنا، والمسلك الخشن لم يختف بل ما زال ضاربًا في مدارسنا وبيوتنا والأعظم في عقولنا وأذهاننا إلى هذه اللحظة لحظة كتابة هذه المفردات؛ فهي طريقة يبدو أنها وراثية تورث من جيل إلى آخر ومن عقل إلى آخر أكثر منها شيء آخر.

صفوة القول؛ سنحاكم الجيلين من خلال سيرة نبينا، والأسلوب الذي كان يتعامل به مع من يتنعم في نعيم رحمته؛ حيث قال عنه الصحابي الجليل الشبل بأبي هو وأمي -أنس بن مالك- الذي خدمه 10 سنواتٍ: ما ضربني قط ولا قال لِشيء أفعله لماذا تفعله؟ ولا عبس في وجه قط ولا نهرني قط ولا رأيته رافعًا يده على طفلٍ أو امرأةٍ أو أحدٍ، بل شرفني بأن قال لي اكتم سري، فأيُّ الجيلين في يومنا هذا يا حضرات السادة الشرفاء المعلِّمين يفعل هذا؟ ويكرم شبلًا بدلًا من أن يعامله بقسوة أو ينظر إليه بعين الدونيةِ، أم أن التعليم والتربية عندنا بين صفحات الأوراق لا في الميادين والأعماق.

أنا متأكد أن جيل التربية بالقسوة خارج القياس وخارج المقال، والكفة الراجحة: هي كفة اللين واللباقة في مقابل كفة القسوة والكآبة، وفي الأول والأخير من لنا غير نبينا قدوة وأسوة، وهل سنأتي بأفضل مما أتى به؟ حاشا بل علينا تتبع أثره ليصلح حالنا ومآلنا ونغلب السلام على العنف، والرحمة على الغضب والمحبة والتسامح على العنف والتباغض.

مدارسنا ومنذ ردحٍ من الزمن ليس بالقصير تعاني من العنف والقسوة، وتحتاج إلى السلام والرحمة وما لا ريب فيه أن وراء ذلك فكر متسلط صنع عقول لا تعرف للتسلط بديلًا؛ إذا حاجتنا حاجة تربوية أصيلة وهي التربية البعيدة كل البعد عن القسوة والمنبعثة من أسماء المولى عزّ وجلّ الرحمن الرحيم السلام.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد