تعلمنا في حصص التكوين أن الأستاذ والتلميذ عنصران أساسيان في العملية التعليمية التعلمية، وتعلمنا كذلك أن من واجب الأستاذ، ومن حق التلميذ عليه، أن يكون كفئًا على المستوى: العلمي، والمنهجي، والبحثي، والديداكتيكي والبيداغوجي، حتى يسير الصف الدراسي على الوجه الذي يسمح بتحقيق أهداف وثيقة الميثاق الوطني للتربية والتكوين، بصيغة أخرى أهداف المنظومة التربوية- التكوينية، علمونا كذلك أن التلميذ يتجاوب مع الأستاذ إن تحققت فيه هذه الشروط المطلوبة والمذكورة آنفًا.

درسونا كذلك أن التلميذ والمتعلم بصفة خاصة هو محور العملية التعلمية، ومنه ينطلق الدرس وإليه يعود، وتأسيسًا عليه يجب على جميع المدرسين ومن يعمل تحت سقف المدرسة أن يكون الموجه والمرشد والمعين لهذه الزهرة المتفتحة؛ لأنها رأس مال الدولة على المستوى البشري، وبهم سيتحقق التقدم والازدهار، وبهم سنخلق التنافسية المثمرة بين الدول.

ولقد استبشرت جميع القطاعات المساهمة في قطاع التربية والتكوين بالتطور المقبول على مستوى المرجعيات والوثائق التي تؤطر المدرسة المغربية، آخرها كان إصدار الرؤية الاستراتيجية لإصلاح التعليم 2015- 2030 تحت شعار براق وجميل: «من أجل مدرسة الإنصاف والجودة والارتقاء».

وأمام هذه المثالية التي يجب أن تكون على مستوى المرجعيات، عشنا وما نزال نعيش أزمة احترام الأستاذ المغربي، فمنهم من ضرب، ومنهم من تم الكيد به، وآخرهم تمت «شرملته» كما يقال باللسان المغربي (الاعتداء بالسلاح الأبيض أو آلة حادة). فما أسباب هذا الانفصام على مستوى النظر والتطبيق؟ رغم أنه بعد صدور وثيقة «الميثاق الوطني للتربية والتكوين» تم إرساء بيداغوجيا التدريس بالكفايات (المعرفة، المهارة، القيمة)، وبالعودة إليها خاصة في المادة السابعة تحت محور الغايات الكبرى، نجد أنها تصرح بأن من بين وظائف منظومة التربية والتكوين: «منح الأفراد فرصة اكتساب القيم والمعارف والمهارات…»، كما تؤكد في نفس المادة أن المجتمع ينتظر من هذه المنظومة أن تزوده بالكفاءات من المؤهلين والنخبة المفكرة والعمال الصالحين، وبالرغم من أننا قد نسجل تطورًا ملموسًا على مستوى تنظيم الكفايات، إذ تم تقديم كفاية تمثل القيم أولًا، ثم بعدها كفاية اكتساب المعرفة الأمر الذي يبشر بأن منسوب القيم الإسلامية سيشهد ارتفاعًا مقبولًا؛ لكن بعد أكثر من عقد ونصف على صدور هذه الوثيقة المهمة ما زلنا نعيش أزمة العنف المدرسي، والاعتداء على الأساتذة.

وهنا يتساءل أحدهم قائلًا: قبل أن يتم تفعيل بيداغوجيا المقاربة بالكفايات كان التركيز في الأساس على الحشو المعرفي الصرف -والأستاذ حسن اللحية يسميها مدرسة المعرفة الصرفة- مع ذلك كنا نسجل امتثال التلاميذ لقيم احترام الأستاذ، وكلنا نتذكر البيت الشعري الذي يحث على تبجيل الأستاذ وتعظيمه، حتى أنهم كانوا يعبرون ويصفون تلاميذ وطلبة التسعينيات وما قبلها بالطالب المثالي الخلوق، بالرغم من أن التركيز على القيم والأخلاق على مستوى التشريع المنظِّم لمنظومة التربية آن ذاك كان أقل مقارنة باهتمام الميثاق في السنوات الأخيرة.

فماذا حدث؟ ما الذي جعل التلاميذ يعتدون على الأساتذة هنا وهناك؟ ما العامل؟

قبل الإجابة عن هذا السؤال، دعونا نمعن النظر والتفكير في دراسة لوزارة التربية الوطنية، والتي تؤكد أنه من خلال المتابعة الصحافية للجرائد الوطنية من 1 سبتمبر (شتنبر) 2012 إلى 28 فبراير 2013، تم التوصل إلى أن العنف الذي يمارسه التلميذ ضد أستاذه يحتل الصدارة في قائمة أنواع العنف داخل المدرسة بنسبة 20%، تليها حالات العنف الذي يمارسه التلميذ إزاء زميله التلميذ بنسبة 11%، وعنف التلميذ تجاه المدرسة بنسبة 8%. وسجلت الدراسة ذاتها بأن حالات العنف داخل المؤسسات التعليمية بلغت 25% من مجموع حالات العنف، وناهزت حالات العنف في محيط المدرسة نسبة 48%، كما أن العنف المدرسي في المدينة يفوق العنف في القرية بنسبة 75%، مقابل 25%.

بناءً على هذه الدراسة، تعددت الإجابات هنا وهناك، فأحد المختصين في مجال التربية يقول: إن تخلي الوثائق الرسمية عن تعظيم دور الأستاذ في مقابل التركيز على أهمية التلميذ والمتعلم، إذ ينص الميثاق في م 6 على «أن إصلاح المنظومة التربوية- التكوينية ينطلق من جعل المتعلم بوجه عام، والطفل بوجه خاص، في قلب الاهتمام والتفكير والفعل خلال العملية التعليمية». هذا الأمر في اعتقاده جعل قيمة الأستاذ تتراجع بشكل ما أمام الهالة التي أعطيت للتلميذ، في حين أن أستاذ ما بعد الاستقلال كان هو مصدر المعرفة والسلطة داخل القسم، خصوصًا مع مقاربة التدريس بالأهداف والمحتوى على وجه التخصيص؛ مما خلق في وجدان التلاميذ صورة معينة للأستاذ أفضت إلى أن يحترموه.

في حين يشير جواب آخر إلى أن السبب وراء هذه الحملة الشرسة على الأساتذة هو فشل المنظومة التربوية ككل في خلق التلميذ المربى على القيم الإسلامية التي تضمن الاحترام والتقدير للأستاذ؛ إذ إن الميثاق الوطني في أساسه كان مبنيًا على أساس ضعيف على مستوى الدراسة المجتمعية والنفسية للمتعلم، ويؤكد رأيه هذا بأن أحد خبراء التربية والتكوين لما بلغ إلى مسمعه أنه لا وجود لدراسات مجتمعية يبنى عليها إصلاح التعليم، قال: «الإصلاح فشل منذ الآن»، وذلك في اللقاء الذي جمع لجنة إعداد الميثاق بوزير التربية والتكوين آنذاك.

يرى آخرون أن العامل الحقيقي وراء هذه الآفة هو قلة تكوين الأستاذ، وهذه الإجابة من جهة أولى سليمة؛ لكن من جهة أخرى تحتاج إلى الكثير من التعديل، فمن الجهة الأولى تكوين المعلم مدة ستة أشهر ليست ولن تكون كافية لإنشاء أستاذ كفء وتكوينه وتدريبه، وهو لم يمارس في حياته مهنة التدريس، وإن مارسها ففي الغالب لم يتلق تكوينًا كافيًا في هذا المجال، اللهم إلا ما اطلع عليه في كتب التربويين أثناء استعداده لاجتياز امتحان ولوج مهنة التدريس. ويقال إنه لا يمكن بالقطع أن يتجرأ الطلبة والتلاميذ على الاعتداء على أستاذ متمكن وعارف ومتمرس على المستوى العلمي والعملي؛ لأنه أقدر أن يملك زمام الدرس داخل الفصل؛ لكن مع من جهة ثانية ماذا سنقول وكيف نرد على الاعتداءات التي تكون خارج الدرس وخارج القاعة؟ وما علاقة قلة تكوين الأساتذة بتفشي ظاهرة العنف في المجتمع؟

في هذا الصدد يشير استطلاع قامت به إحدى الجرائد الإلكترونية المغربية على أن العامل الأول في تنامي ظاهرة تعنيف الأساتذة هو الأسرة، وهنا يُطرح سؤال: كيف للأسرة أن تساهم في ذلك؟ اللهم إلا في حالة ما إذا فسرنا أن الأسرة الأمية هي التي تجعل الأمر يتفاقم بطريقة ما؛ لكن ألم تكن هناك أسر أمية في سنوات التسعينات والثمانينات؟ وكيف تكون السبب وهي الأخرى تعاني من المشكلة ذاتها، فلطالما سمعنا عن ضرب الأبناء لآبائهم لأتفه الأسباب، ودور الأسرة كدور المدرسة والمجتمع وهو التربية وإكساب القيم. على هذا يكون السبب مفرقًا بين كل عنصر على حدة، دون أن نحسم في أن أحدها هو العامل الرئيسي.

وتقول إجابة أخرى إن المذكرة الصادرة سنة 2014، والتي قامت بحذف عقوبة التوقيف من مجموع العقوبات التأديبية التي تطال التلاميذ العنيفين والمشاغبين، وتبديلها بعقوبات مخففة من قبيل البستنة والتوقيف المؤقت؛ هذا جعل التلاميذ يحسون بنوع من الراحة النفسية إن هم أقدموا على تصرف معين، وكذلك جعل أحدهم يعتبر أن الطرد المؤقت أشبه بعطلة مؤقتة بالنسبة للتلميذ المشاغب، في حين يقول آخرون إن عدم إشراك الأساتذة في بناء هذه المذكرة وجعلها أمرًا أفقيًّا لا عموديًّا ساهم في تفاقم ظاهرة العنف في الوسط المدرسي بشكل ما، في ظل غياب توافق رؤى جميع الفاعلين.

ويرى آخرون أن تفكك منظومة القيم في المجتمع المغربي، وغياب دور الفعاليات المدنية والأحزاب السياسية المتمثل في التأطير والتكوين والتربية، إضافة إلى غياب استراتيجية حقيقية لدى وزارة التربية والتكوين للحد من ظاهرة العنف التي لم تكن وليدة اليوم، ناهيك عن تنازل الكثير من المعتدى عليهم عن حقهم في المتابعة القضائية، والذي جعل التلاميذ يشجعون بعضهم البعض على الاعتداء على الأساتذة.

إشكال آخر يحتاج إلى تدقيق وهو وجود ترسانة قانونية كافية لحماية الأستاذ من هذه الاعتداءات، وهل تدخل الأجهزة الأمنية كافٍ للحد من هذا الاعتداء؟ مع العلم أن الأمن إلى حد ما يعاني من هذه الآفة على مستوى الواقع المجتمعي ومقاربته قانونية قضائية وليست تربوية صرفة. وهل لوزارة التربية والتكوين يد في تدارك الأمور مع العلم أنها إحدى الوزارات التي طالها ما أسموه بزلزال الإعفاءات؟ أي أنها ربما ما زالت تعاني مشكل الهيكلة الجديدة، فما بالك أن تسارع إلى الحد من أزمة اجتماعية قبل أن تكون مدرسية.

سؤال بسيط سأله مواطن: كيف يمكن للأستاذ الذي يسمع هنا وهناك حملة تعنيف الأساتذة أن يقف أمام طالب معين ويوبخه على سلوك معين أقله أنه لم ينجز فرضًا منزليًّا.

وراء هذه الأسئلة وإن لم يتم الإجابة عنها بشكل مباشر، يجب حث جميع القطاعات المساهمة في بناء منظومة التربية والتكوين وتسييرها على العمل الجاد لتجاوز هذه الأزمة بمقاربات ناجعة، كما ينبغي على علماء الاجتماع المغاربة المبادرة إلى البحث والتنقيب عن العوامل والمؤثرات النفسية والاجتماعية في التلاميذ المقدمين على هذا النوع من التصرفات المرفوضة، وهي مناسبة لدعوة سكان قبة البرلمان المغربي إلى التساؤل حول تداعيات هذه الأزمة على المستوى الاجتماعي والاقتصادي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد