في جميع الدول المتحضرة والمتصدرة للمراكز الأولى في ترتيب أفضل دول العالم، تجد أن جُلَّ الاهتمامِ منصبٌ على اثنين هما التعليم والصحة، بدونهما لا توجد حياة، وبدونهما ليس في مقدور أي دولة أن تنهض أو تتقدم ولو خطوة واحدة، بل ستُهلك تماما وتموت! ولكن ما بال الدول التي بها هذان العاملان ولا يوجد تقدم ولو خطوة واحدة؟

حديثنا هذا عن التعليم. لا شك أنه يوجد تعليم في كل البلاد ولكن هل تتوقف النهضة والتقدم على وجود التعليم أو عدمه فقط؟! إذا كان كذلك فكل البلاد ستكون متصدرة لترتيب الأفضلية ولن يوجد ما يسمى بالدول المتأخرة والمتخلفة، ولكن يوجد أسس وقواعد وأسباب لوجود المتقدم والمتخلف.

إذا نظرنا لأي مهنة وليكن الطبيب، نجد أنه يوجد طبيب بارع في عمله ومشهور ويأتي إليه مرضى كثيرون، وآخر قلما تجد عنده المريض، فما الفارق بينهما؟! مع العلم أن مناهج الطب مهما اختلفت في الدول فإنها جميعًا تحقق الغرض الأسمى وهو حل المشكلة الأساسية وهي القضاء على المرض، فالفارق أن الطبيب البارع استخدم هذا المنهج استخدامًا صحيحًا واستوعبه وحاول بكل الطرق أن يجعل هذا هدفه الأسمى، وأن يتقدم فيه ويطور من قدراته فيه، وعمل بكل الأسباب وهيأ البيئة المناسبة له حتى أصبح كذلك، أما الآخر فلقد درس الطب أيضًا، ولكن لم يفهمه بالطريقة الصائبة أيا كانت الأسباب لذلك، ولم يستطع أن يحدد دوره من ذلك المنهج في المجتمع، ولم يوفر البيئة المناسبة له، فلذلك لم يستطع أن يطبقه بالشكل الصائب، فأصبح وجوده مثل عدمه وأصبح واحدًا كسائر الآحاد!

بالمثل نجد أن المنهج هو التعليم؛ فالتعليم موجود في كل البلاد، لكن يوجد البلاد المتقدمة – الطبيب البارع – التي تقدر قيمة التعليم فاختارت الأشياء التي يجب أن تُدرَّس بعناية، واختاروا الطريقة الأفضل لذلك، وأعدوا البيئة المناسبة، أما البلاد المتخلفة – الطبيب الآخر – فأهملت ولم تقدر قيمة العلم والعلماء، فأصبح مصيرها في أواخر الدول ولا نعرف متى يحين دورها وهل سيحين أم ماذا؟! لكن السؤال الأهم الآن: التعليم في بلادنا يبني أم يهدم؟!

بما أن التعليم موجود هنا وهناك، فلماذا لا يوجد تقدم؟ ما الخطأ وما المشكلة؟ الخطأ بالإجماع في كل شيء، الخطأ على منظومة التعليم بأكملها، الخطأ على المجتمع بأكمله!

لا أدري من أين أبدأ، هل أبدأ بالمناهج التي لا تسمن ولا تغني من جوع؟ أم أبدأ من قلة الاهتمام بالمعلمين والعلماء واعتبارهم أقل فئات المجتمع! أم أبدأ من الطالب الذي لا يوجد له أي اهتمام والذي تحاصره كل المشكلات الاجتماعية والحروب الفكرية والأخلاقية، والذي دخل هذه الحياة ووجدها معلنةً أنه “مفيش صاحب بيتصاحب” وغيرها من الحروب التي نعتقد أنها هينة ولكنها عظيمة! أم من طريقة التعليم نفسها أم ماذا! سأذكر ثلاثة محاور فقط إذا صببنا اهتمامنا عليهم لن يبقى حالنا هكذا وسنتوجه تلقائيا لإصلاح كل شيء آخر.

المناهج التي تُدرّس وهل تحقق الغرض الذي وُضعت لأجله؟!

إذا تحدثنا في هذا القسم وهذا المحور بالأخص تفصيليا، فنحن بحاجة إلى سطور كثيرة ومقالات طويلة وجهود مبذولة، لكن حفاظا على وقتكم الثمين فسنلخص لكم أهمها، فتهيأ لها وأحضر ورقتك وقلمك. من أكبر الأخطاء وأكثرها تأثيرًا على انحدار المستوى التعليمي والتربوي لمجتمعنا هو سوء إعداد المناهج التعليمية، فللأسف نجد أن كل شيء فيها – بخاصة في السنوات الأخيرة – قد عُدّل ليصب في أباريق الحكام وليظهر لمعانها.

ومن أكثر الأمثلة التي تؤكد ذلك أن جُلَّ التاريخ الذي درسناه في مدارسنا وجامعاتنا ما هو إلا خرافات قد وُضعت لتخدم شيئا آخر وتصب فيه، فأخذوا يصفون لك الكاذب الخائن بأنه أمين وبريء، وإن قارنته بأي شخص غيره أيا كان سترجح كفته بالتأكيد، ومن يعترض على ذلك فهو الخائن لوطنه ودينه ويستحق كل ألوان العذاب، والعكس أيضًا صحيح فهم يصورون لك المحب لوطنه ومن كان يحاول إصلاحه بغير ذلك تماما!

إذا دققنا النظر أكثر سنجد أن في المواد العلمية مثلا لا نطبق ما ندرسه، والأكثر من ذلك أن ما ندرسه أشياء لا تستحق التطبيق، وإن طُبقت لن تفيد بشيء لأنها لا تهدف للابتكار إنما للتقليد والعلم بالشيء فقط، لأننا وبكل أسف نرفع شعار “نقل أحدث تقنيات العصر” وليس ابتكارها، ولا يوجد مجال للتشجيع على الابتكار وغيره، فكيف نطلب أن يكون هنالك مخترعون ومبتكرون في مجتمعنا ونحن لا نشجع على وجودهم؟!

أثبتت دراسات من قبل أن النسبة الأكبر من المخترعين والمبتكرين من المرحلة الثانوية، فإذا نظرنا في الدول الغربية المتقدمة نجد أن الطالب في هذه المرحلة يدرس على سبيل المثال ميكانيكا الكم والكوانتم، ومن نفس المنظور نجد أن الطالب في الدول العربية في هذه المرحلة ما زال يدرس الزمن الدوري، وبأنه زمن لازم لعمل دورة واحدة كاملة!

وختاما لهذا المحور كيف تتقدم دول دراسة الدين فيها اختيارية! سبحان الله، كيف تتقدم دول وهي لا تعرف عن دينها شيئًا! وكيف تتقدم دول ولو خطوة واحدة وهي لا تهتم بالعلوم الإلكترونية والتكنولوجية مثل دراسة الحاسب الآلي والبرمجيات! بل كيف تتقدم دول وكل ما فيها خطأ! ودراسة اللغات خاطئة حتى دراسة لغتنا العربية خاطئة! ونجد كثيرين يخطئون في لغتهم العربية فالذنب لا يقترب منهم بل على التعليم الخاطئ.

أهل العلم حقهم مهدور؛ فالمعلم والعالم لا تقدرهم بلادنا، وهذا السبب الأكبر في عدم وصول علمهم وفائدته للوطن بالأعم وللطالب بالأخص، فحديثنا في الجزء القادم بمشيئة الله تعالى عن هذه الجزئية، فانتظرونا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

التعليم
عرض التعليقات
تحميل المزيد