عاني قطاع التربية والتعليم في العالم العربي من أزمةٍ مزمنة يصعب حلها، حيث أشارت معظم التقارير الصادرة عن الجهات الدولية المعنية إلى تدني مستويات المخرجات التعليمية في الوطن العربي مقارنة بالدول الأخرى، وعلى الرغم من تنبه بعض الدول العربية إلى الأمر ومحاولة تطوير التعليم في بلدانها، فإنها محاولات ضعيفة غارقة في المظاهر والشكليات على حساب الفكر والجوهر، وأغلب المحاولات تأتي في سياق ملاحقة الحضارة الغربية ومعاييرها التنافسية، التي لا تنسجم مع هويتنا العربية الإسلامية ولا مع حاجاتنا الحضارية.

تعتمد المدارس في أغلب الدول العربية على إجهاد التلاميذ في حفظ النصوص والدروس بطريقة ببغائية تحدُّ من قدرة العقل على التفكير من جراء الانشغال بالحفظ، وفي المحصلة ينسى الطالب كل هذه المواد، أو يحفظها بدون فهم إلى أن يأتي الامتحان فيرجعها إلى معلمه على طريقة «بضاعتكم ردَّت إليكم».

يرتبط الفكر بالأخلاق ارتباطًا عضويًّا، ففي العادة نجد أن الإنسان صاحب الخلق لديه قدرة على التفكير، وهذا يعني أنه يستطيع التمييز بين الصح والخطأ، بعبارة أخرى الأخلاق هي المنبه الذي يحفز العقل على التفكير، وكلما ارتقت أخلاق الإنسان انفتح فكره أكثر وزادت قدرته على التفكير وحل المشاكل. ومعلوم أن الله -عز وجل- سلط فرعون على قومه، لأنهم كانوا على مستواه الفكري والأخلاقي، قال تعالى: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ [الزخرف: 54]. فوصفهم بالفسق، لذلك سلط عليهم من يناسبهم، ولو كان عندهم أخلاق لما تلاعب فرعون بعقولهم وخدعهم.

إن تدني مخرجات التعليم في الوطن العربي هو نتيجة حتمية لإهمال عنصري الأخلاق والفكر في المنظومة التربوية والتعليمية، وما هو ينبئ بوقوع المزيد من الأزمات في المستقبل، ومن بين الأزمات التي ستزداد حدتها مستقبلًا، نجد أزمة التطرف، خاصة في ظل تدني الأخلاق وانهيار القيم، وفي ظل البطالة والفقر والظروف الاقتصادية الصعبة، وهي عوامل كافية لتشكيل أرضية خصبة للاستغلال الأيديولوجي والسياسي وانتشار الأفكار المتطرفة.

لقد أهمل المسؤولون في المنطقة العربية الجانب الاخلاقي والفكري في المنظومة التربوية والتعليمية، لهذا عانت هذه المنطقة وما زالت تعاني من ظاهرتي الإرهاب والتطرف، وكما قلنا آنفًا الإنسان فقير الأخلاق يسهل تسفيهه والاستخفاف بعقله، ومن ثمَّ اصطياده من طرف الجماعات المتطرفة. ففي الماضي استطاعت «القاعدة وداعش» التغرير بالكثير من شباب المنطقة وإيقاعهم في شباكها، وبناء على قاعدة «الأسباب نفسها تؤدي إلى النتائج نفسها»، فإنه سوف تظهر مستقبلًا جماعات متطرفة أخرى ستعمل على نشر دعوتها والترويج لفكرها الضال المنحرف، والأكيد أن بعض الشباب سوف يقع مرة أخرى في فخ هذه الجماعات، وذلك لأن أغلب وزارات التربية والتعليم العربية لم تتعلم من أخطائها في الماضي وما زالت تهمل وتتغافل عن الجانب الأخلاقي والفكري في المنظومة التربوية والتعليمية.

علينا ألا ننسى أن أصل الإرهاب فكر وأحسن سلاح لمحاربته هو الفكر، ويكون ذلك من خلال الاهتمام بتربية الطفل وتعليمه التفكير السليم، ودينار ينفق على التعليم خير من ألف دينار تنفق على السلاح ومحاربة الإرهاب، فطريق التربية هو الطريق الأفضل والأيسر والأقل تكلفة، علينا أن نعلم أبناءنا أن الحوار أفضل من العنف، وأن السلام خير من الحرب، وأن واجبنا هو البناء وليس الهدم، علينا أن ننشر الأخلاق في مجتمعاتنا حتى ننقذ آلاف الأرواح البريئة، وحتى يكون أبناؤنا أداة لبناء الحضارة وليسوا معولًا لهدمها، وهنا لا نحمل الحكومات وحدها المسؤولية، بل إن الأسرة تتحمل المسؤولية الأكبر، باعتبارها المدرسة الأولى لتربية النشء والنواة الأساسية للمجتمع، فحتى لو قامت وزارات التربية العربية بواجبها، فإن جهودها سوف تكون ناقصة وغير فعالة لبلوغ الأهداف المنشودة، إذا لم تقم الأسرة بواجبها الأساسي المتمثل في الاعتناء بالنشء وتربيته التربية الصحيحة الصالحة، وبم أن ابن خلدون يقول: الإنسان ابن بيئته، فإن التربية مسؤولية الجميع من أسرة، مسجد، وزارة التربية والتعليم والمجتمع ككل.

قد يتساءل البعض ويطرح هذا السؤال: رغم أن الملايين يتخرجون سنويًا من الجامعات في المنطقة العربية، فإن المشاكل في تزايد مستمر في هذه المنطقة؟ بعبارة أخرى: لماذا لم يساهم هؤلاء المتعلمون في حل مشاكل بلدانهم الكثيرة (البطالة، الفقر، الآفات الاجتماعية، والإرهاب والتطرف و…)؟ وللإجابة عن هذا السؤال، ينبغي لنا أن نعرف ما هو الهدف من العلم؟ وما هو الفرق بين العلم الذي ينفع والعلم الذي لا ينفع؟ إن الهدف من التدريس والتعليم ليس الحصول على الراتب آخر الشهر ومجموعة من الامتيازات المادية كما يعتقد الكثير من المعلمين والأساتذة، وكذلك ليس الهدف من التعلُّم الحصول على الشهادة أو منصب العمل كما يعتقد أغلب الطلبة.

إن الهدف الأساسي والحقيقي من العلم هو حل مشاكل المجتمع وتسهيل حياة الناس والمساهمة في إسعادهم، والإسلام كان دقيقًا في تحديد العلم المطلوب والعلم الذي ينفع، حيث قال عليه الصلاة والسلام: «إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاث: إلا من صدقة جارية، أو ‌علم ‌يُنتفع ‌به، أو ولد صالح يدعو له» صحيح مسلم، فمعلمنا ورسولنا، صلى الله عليه وسلم، أشار بدقة إلى نوعية العلم الذي ينفع الإنسان بعد موته، وهو العلم الذي ينتفع الناس به في دينهم ودنياهم، سواءً كان يختص بعلوم الشريعة أو غيرها من العلوم التي يحتاجها الناس كالطب، الاقتصاد، الهندسة ونحوها. ويمكننا القول بأن العلم الذي ينفع هو العلم المقترن بالأخلاق، لأن العلم بدون أخلاقيات مدمر، ولأن الانسان بطبعه أناني ويريد امتلاك كل شيء، بعبارة أخرى الأخلاق هي التي تجعل العلم نافعًا وفعالًا في حل مشاكل الناس وتسهيل حياتهم، ونستطيع كتابة هذه العلاقة على شكل المعادلة التالية: العلم النافع= علم +أخلاق.

قال الشاعر حافظ إبراهيم:

الأم مدرسة إذا أعـددتها *** أعددت شعبًا طيب الأعـراق

لا تحسبـن العلم ينفع وحده *** ما لم يتوج ربه بخـلاق

والعـلم إن لم تكتنفه شمائلٌ *** تعليه كان مطية الإخفاق

يعيش العالم العربي اليوم أزمة أخلاقية فكرية عميقة، تضرب في النواة الأساسية للمجتمع، ألا وهي الأسرة، وبم أننا نتحدث عن قطاع التربية والتعليم، فسوف نركز على ذكر مظاهر الأزمة في هذا القطاع، والتي من أهمها:

التفكير المادي: أصبح الكثير من الأساتذة يجرون وراء الكسب المادي، حيث تجدهم لا يجتهدون في تقديم الرسالة التعليمية كما ينبغي، لكنهم يهتمون بالامتيازات المادية وموعد الراتب الشهري، بالإضافة إلى أن بعضهم لا يلقي الدروس بالطريقة المطلوبة، ثم يطلب من تلاميذه الانخراط في الدروس الخصوصية حتى يتسنى لهم الفهم من أجل الحصول على دخل إضافي، قد يقول قائل إنَّ راتب المعلم والأستاذ لا يكفي، نقول صحيح، لكن لو أن هذه الفئة اجتهدت في تقديم رسالتها التربوية والتعليمية كما ينبغي لحصلت على أضعاف ما تجنيه من دروس الدعم ولبارك الله في دخلها، هذا من جهة، ولساهمت في تكوين الإنسان الواعي المثقف وإصلاح مجتمعاتها وبناء بلدانها، هذا من جهة أخرى. والتفكير المادي ليس مقتصرًا على الأساتذة، فأغلب الطلبة يهدفون للحصول على الشهادة أو منصب العمل، وليس حل مشاكل المجتمع ونفع الناس بالعلم الذي تعلموه، لهذا أصبحت أغلبية الشهادات لا قيمة لها والكثير من حامليها يعيشون في أزمةِ بطالة، فالجزاء من جنس العمل.

ظاهرة الغش: انتشر الغش بين التلاميذ والطلبة بشكل رهيب، حتى أصبح ظاهرة عادية، بل إن الكثير من الطلبة أصبحوا يعتبرون الغش حقًّا من حقوقهم، فالمهم عندهم هو الحصول على الشهادة، ولو كان ذلك بطرق غير مشروعة، فالغاية عندهم تبرر الوسيلة، وفي مقابل ذلك، قام المسؤولون بمحاربة هذه الظاهرة بمجموعة من الأدوات والوسائل من بينها: زيادة عدد الحراس في الامتحان، استعمال الكاميرات في الحراسة، قطع الإنترنت في ساعات الاختبار…إلخ، لكن كل هذه الحلول فشلت ولم تأتِ أكلها، لأنها حلول ترقيعية لم تلامس جوهر المشكلة. ينتج الغش عن سوء التربية وغياب الضمير لدى الغشاش، وبالتالي فعلاج الغش يكون بالتربية الصحيحة للطفل وغرس القيم الأخلاقية فيه منذ الصغر، أمَّا اللجوء للحلول السالفة الذكر من تشديد المراقبة وغيرها، فهي ليست حلولًا فعالة في استئصال الظاهرة من جذورها، لأنه مهما تطورت وسائل محاربة الغش، فإن الإنسان الذي لا ضمير له سوف يتحايل ويبتكر وسائل جديدة للغش، ولأنك لا تتعامل مع فئة قليلة من الغشاشين.

مظاهر أخرى: من المظاهر التي شوهت صورة قطاع التربية والتعليم في العالم العربي نجد: الاهتمام بالشكل (المظهر) وإهمال الجوهر (التعليم) لدى الكثير من التلاميذ والطلبة، حتى أصبح يخيل إليك أنك في عرض أزياء ولست في مؤسسة تربوية أو تعليمية، بالإضافة إلى انتشار ظاهرة الاعتداء على الأساتذة سواءً لفظيًّا أو بالضرب، فضلًا عن ظاهرة الهوس بالهواتف الذكية وإدمان الألعاب الإلكترونية ومواقع التواصل الاجتماعي (مثل «فيسبوك» و«تيك توك») لدى التلاميذ والطلبة، وما ينتج منها من سلبيات كشرود الذهن، العنف المدرسي، ضعف التحصيل الدراسي والعزلة عن المجتمع وغيرها من السلبيات، ويضاف إلى ذلك كله انتشار ظاهرة شرب الخمور وتعاطي المخدرات بين التلاميذ والطلبة حلى حدٍّ سواء.

اهتمت أغلب محاولات الإصلاح التي مست المنظومة التربوية والتعليمية في المنطقة العربية بالشكل وأهملت الجوهر، حيث انصب اهتمامها على استعمال الحاسوب والاعتناء باللغة الإنجليزية، وكأن هذا هو جوهر العملية التعليمية! بدلًا من التركيز على إصلاح المناهج وتعليم الطلبة كيفية التفكير.

إن تعليم الطلبة كيفية التفكير هو أهم جزء في العملية التعليمية، لهذا فالتعليم الناجح هو التعليم الذي يعلم الطالب كيف يفكر، أي تعليم الطالب كيفية حل المشاكل وتدريسه أصول النقد حتى يصبح ذا تفكير مستقل ويتجاوز مسألة القبول بكل ما يقوله المدرس، والفكر هو الذي يعلم الإنسان كيف يميز بين الصح والخطأ وبين الحق والباطل.

إن استقالة الأسرة من دورها التربوي وتنصُّلها من مسؤولياتها تجاه النشء الصغير، يعتبر من أهم أسباب تخلفنا وتأخرنا في العالم العربي، قلنا آنفا بأننا نعاني من أزمة فكرية عميقة، تتجلى أهم مظاهر هذه الأزمة في تكرار أخطاء الماضي وعدم استفادتنا من تجاربنا السابقة، رغم أن رسولنا ومعلمنا صلى الله عليه وسلم يقول: «‌لا ‌يلدغ ‌المؤمن من جحر واحد مرتين» متفق عليه، فالمؤمن العاقل لا يتخذ الأسباب نفسها للحصول على نتائج مختلفة، بالإضافة إلى ذلك ما زلنا نتخبط فكريًّا ولم نفهم بعدُ فلسلفة التغيير وكيف يكون؟ ومن أين يبدأ؟ فهل يبدأ من الشعوب أم من الحكام؟

تعد الشعوب العربية من أكثر شعوب العالم تأثرًا بنظريات المؤامرة، لهذا ما زالت تنسب أسباب تخلفها وتأخرها تارة للحكام وتارة أخرى للاستعمار والأيادي الخارجية، رغم أن القرآن الكريم جاء بما يخالف التفكير التآمري، حيث ورد في عديد الآيات أن المصائب والأزمات هي نتاج لما كسبت أيدي الناس، قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾، وقال أيضًا: ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ﴾، فالعرب يلجؤون للتفسير الأسهل، وهو تبني أحد نظريات المؤامرة وإتهام الأخرين بأنهم هم سبب تخلفهم، وبأنهم يتربصون بهم ويريدونهم أن يكونوا في مؤخرة الأمم، من أجل تسويغ فشلهم وتبرير تأخرهم عن الركب العالمي، بدلًا من طرح السؤال الصحيح وهو: ما هي الأشياء الخاطئة التي فعلها العرب؟ ولماذا تقدم الآخرون وتأخروا هم؟

لو كانت هذه الشعوب صادقة في التغيير لبدأت بإصلاح الأسرة من الداخل والاهتمام بتربية الأجيال الجديدة، ولقامت باتباع العلماء والمفكرين والإعلاء من شأنهم واتخاذهم قدوة لها، باعتبارهم المصباح الذي ينير طريقها، لكن الواقع يكشف عكس ذلك، حيث تشير الإحصاءات إلى أن الأغاني والألعاب تحصد أعلى المشاهدات، وأن أغلب مشاهير ومتصدري التواصل الاجتماعي في العالم العربي من الفنانين والمغنيين وأصحاب المحتوى التافه، الذين يضيعون أوقات الأمّة فيما لا ينفع، فكيف يصلح حال أمّةٍ أهلها غارقون في اللهو واللعب؟!

قلنا وما زلنا نقول إنّ العلم بدون أخلاق مدمر، وإنّ الإنسان واحد من اثنين، إما أداة لبناء الحضارة إذا كان عنده أخلاق، وإما معولًا لهدمها إذا كان فقير الأخلاق، وأعظم الأخلاق هي التي جاء بها سيد الخلق، صلى الله عليه وسلم، وعندما أراد الله أن يمدح نبيِّه لم يمدحه بكثرة صلاةٍ أو صيام، رغم أنه كان أعبد الناس لربه، ولم يمدحه بوسامته، رغم أنه كان كفلقة القمر، ولم يمدحه بنسبه، رغم أنه من أرفع الناس نسبًا، وإنما مدحه بخلقه العظيم، فقال عزَّ من قائل: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾. إن من أهم دروس الإسلام درس الأخلاق، فإن فاتكَ فإنكَ لم تُدرك من الإسلام إلا القليل، حتى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ‌حصر بعثته في تتميم الأخلاق، حيث صحَّ عنه أنه قال: «‌إنما ‌بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» رواه الحاكم في صحيحه، وفي هذا يقول ابن القيم: الدين كله خُلق فمن فاقكَ في الخُلق فقد فاقكَ في الدين!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد