يعاني قطاع التربية والتعليم في العالم العربي من أزمةٍ مزمنة يصعب حلها، حيث أشارت معظم التقارير الصادرة عن الجهات الدولية المعنية إلى تدني مستويات المخرجات التعليمية في الوطن العربي مقارنة بالدول الأخرى، وعلى الرغم من تنبه بعض الدول العربية إلى الأمر ومحاولة تطوير التعليم في بلدانها، إلا أنها محاولات ضعيفة غارقة في المظاهر والشكليات على حساب الفكر والجوهر، وأغلب المحاولات تأتي في سياق ملاحقة الحضارة الغربية ومعاييرها التنافسية، التي لا تنسجم لا مع هويتنا العربية الإسلامية ولا مع حاجاتنا الحضارية.

تعتمد المدارس في أغلب الدول العربية على إجهاد التلاميذ في حفظ النصوص والدروس بطريقة ببغائية تحدّ من قدرة العقل على التفكير جراء الانشغال بالحفظ، وفي المحصلة ينسى الطالب كل هذه المواد، أو يحفظها بدون فهم إلى أن يأتي الامتحان فيرجعها إلى معلمه على طريقة «بضاعتكم ردّت إليكم».

إن ارتفاع معدلات الأمية في الوطن العربي يعتبر قنبلة موقوتة قد تنفجر في أي لحظة، خاصة في ظل تنامي حدة التطرف وما يرافقه من استمالة هذه الفئة ذات الفقر النفسي والثقافي، خاصة في ظل البطالة والفقر والظروف الاقتصادية الصعبة، وهي عوامل كافية لتشكيل أرضية خصبة للاستغلال الأيديولوجي والسياسي وانتشار الأفكار المنحرفة.

اهتمت أغلب محاولات الإصلاح التي مست المنظومة التربوية والتعليمية في المنطقة العربية بالشكل وأهملت الجوهر، حيث انصب اهتمامها على استعمال الحاسوب والاعتناء باللغة الإنجليزية، وكأن هذا هو جوهر العملية التعليمية!، بدلًا من التركيز على إصلاح المناهج وتعليم الطالب كيفية التفكير.

لم تكن اللغة العربية يومًا عائقًا أمام تطوير المنظومة التربوية والتعليمية، يقول المفكرون «اللغة ما هي إلا وعاء يحوي الفكر» فتغيير لغة التعليم لا يعني التحسين من جودته، وهناك دول استطاعت تطوير أنظمتها التعليمية باستعمال لغتها الأم كالصين، واليابان، وألمانيا، وفي نفس السياق هناك دول عربية وأفريقية اعتمدت الإنجليزية أو الفرنسية لغةً أساسية في التعليم، لكنها لم تنهض بمنظومتها التعليمية.

يقول الدكتور حسن عبد المقصود (أستاذ التربية بجامعة عين شمس): «يواجه التعليم في الوطن العربي مشكلاتٍ عديدة وكبيرة ومعقدة في الوقت نفسه، ويرى أن التعليم في الدول العربية يبدأُ من الأسرة، لذا يجب على هذه الأخيرة أن تغرس في أبنائها أهمية التعليم وأهمية المدرسة، وأن تعلمهم أن الله أمرنا بالعلم وأنه سيعود بالفائدة عليهم».

إن تعليم الطلاب كيفية التفكير هو أهم جزء في العملية التعليمية، لهذا فإن التعليم الناجح هو التعليم الذي يعلم الطالب كيف يفكر؟ أي تعليم الطالب كيفية حل المشاكل وتدريسه أصول النقد حتى يصبح ذا تفكير مستقل ويتجاوز مسألة القبول بكل ما يقوله المدرس، والفكر هو الذي يعلم الإنسان كيف يميز بين الصح والخطأ وبين الحق والباطل.

في البلدان المتقدمة رغم أن الطالب يُدرس المواد العلمية والتقنية، لكن يحتم عليه تعلم كيفية التفكير، وعند إسقاط هذا النموذج على المنظومة التعليمية في العالم العربي، نجد أن التعليم في هذه المنطقة يقوم على الحفظ والتلقين بدلًا من تعليم الإنسان كيفية التفكير، وبالتالي نستطيع الحكم على هذه المنظومة بالفشل.

يرتبط الفكر بالأخلاق ارتباطًا عضويًا، ففي العادة نجد أن الإنسان صاحب الخلق لديه قدرة على التفكير، وهذا يعني أنه يستطيع التمييز بين الصح والخطأ، بعبارة أخرى الأخلاق هي المنبه الذي يحفز العقل على التفكير، وكلما ارتقت أخلاق الإنسان انفتح فكره أكثر وزادت قدرته على التفكير وحل المشاكل.

یرى مالك بن نبي أن الاستعمار ما كان لیعمر طویلًا في العالم الإسلامي، لو لم یجد الأرضیة مهیأة لبقائه من خلال ذلك الرضوخ الداخلي للاستعمار وقابلیة المجتمع للهزیمة أمام الغزو الاستعماري، ومن هنا يتضح لنا أن سبب الاستعمار حسب ابن نبي هو وجود القابلية للاستعمار وأن أساس تخلف المسلمين حضاريًا ناتج عن طغيان نزعة الفردية والأنانية في سلوك الفرد المسلم.

ويرى ابن نبي أن المشكلة داخلية في العالم العربي والإسلامي، حيث تتعلق بالدرجة الأولى بتخلف الفكر وانحطاط الأخلاق، بعبارة أخرى إن تحرير الإنسان من هذا التخلف يكون بطريقة جذرية تطال سلوكه وأخلاقه وتصحح أفكاره، ولن يتأتى ذلك إلا من خلال التركيز على دور الأسرة في غرس القيم الأخلاقية في النشأ الصغير بالتعاون مع المسجد، المدرسة والجامعة.

قال الشاعر حافظ إبراهيم:

الأم مدرسـة إذا أعـددتها *** أعددت شعبًا طيب الأعـراق

لا تحسبـن العلم ينفع وحده *** ما لم يتوج ربه بخـلاق

والعـلم إن لم تكتنفه شمائلٌ *** تعليه كان مطية الإخفاق

جاءت الثورات العربية لتزيد الأوضاع سوءًا والطين بلة في هذه المنطقة التي عانت الكثير، وذلك لما تبعها من حروب داخلية وانقلابات وحالة توحش قضت على آمال العرب في الإصلاح والانتقال إلى نظام سياسي عادل يحقق طموحات شعوب المنطقة.

وبعد فشل هذه الثورات التي أكلت الأخضر واليابس، آن الأوان لهذه الشعوب لإعادة التفكير في كيفية الإصلاح، وذلك بالتوقف عن تكرار أخطاء الماضي وعدم الاعتماد على الإصلاح السياسي (الحل السياسي) والشروع في التغيير الحقيقي الذي ينطلق من رحم المجتمع، بمعنى التعويل على الإصلاح المجتمعي (الحل الاجتماعي)، الذي يبدأ من الأسرة بغرس القيم الاخلاقية في النشء الصغير، مرورًا بالمؤسسات التعليمية ودورها الأساسي في ترسيخ القيم الأخلاقية وإمداد الطالب بالعلوم والمعارف المختلفة، وانتهاءً بالجامعة التي تعلم الطالب كيف يفكر؟ وكيف يصبح باحثًا يستطيع إيجاد الحلول للمشاكل التي يعاني منها المجتمع؟

واستنادًا إلى ما تقدم، ومن أجل الارتقاء بقطاع التربية والتعليم في العالم العربي نوصي بما يلي:

مراجعة المناهج التعليمية وإصلاحها، وذلك يكون بتحويلِها من مناهجٍ نظريةٍ عقيمةٍ إلى مناهجٍ عمليةٍ نافعةٍ والانتقال من طرق التدريس التلقينية الجامدة إلى الطرق الحديثة التفاعلية، التي تعلم الإنسان النقد والتفكير السليم، بحيث يصبح الطالب قادرًا على التمييز بين الصح والخطأ؛

التوقف عن تكرار أخطاء الماضي وعدم الاعتماد على الإصلاح السياسي (الحل السياسي) والشروع في التغيير الحقيقي، الذي ينطلق من رحم المجتمع (الحل الاجتماعي) وهويتنا العربية الإسلامية وفق رؤيتنا الخاصة، وذلك بالاعتماد على الأسرة والمؤسسات التعليمية في تغيير الواقع.

رفع رواتب المعلِّمين وتحسين ظروف عملهم حتى يساعدهم ذلك على إعطاء العملية التعليمية كلّ ما بوسعِهم، إلى جانب الاهتمام بتكوين المعلمين من أجل رفع مستواهم وتحسين جودة التعليم.

إعادة النظر في أساليب التربية في مجتمعاتنا العربية، من خلال التركيز على دور الأسرة في تربية الطفل وإعطاء أهمية بالغة لمادة التربية الأخلاقية في مدراسنا والاستفادة من التجربة اليابانية والفنلندية في هذا المجال.

ترسيخ مبدأ الحرية الأكاديمية ونشره بين المعلمين والمتعلمين على حد سواء، لأنه لا يمكن أن يكون هنالك إبداع بدون حرية تفكير.

فتح المجال للمؤسسات التعليمية الخاصة لتنافس المؤسسات التعليمية العامة بغية تحسين المستوى والرقي بالمنظومة التعليمية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد